أدباء عراقيون : الروايات العربية لم تقدم معالجات بحجم مآسي الشعوب وعمقها

 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

شهدت السنوات العشرون الاخيرة حروبا ونزاعات في العديد من الدول العربية مثل العراق، اليمن، لبنان، سوريا وليبيا، نتجت عنها إصابة المجتمعات بمآس جراء الاقتتال الأهلي وخروج جماعات الإرهاب وما ارتكبته من جرائم وحشية، فضلا عن تردٍّ في الأحوال المعيشية والهجرات الجماعية شرقا وغربا وما جرى للمهاجرين من اضطهاد، كل ذلك وأكثر شهدته العديد من المجتمعات العربية ومع كل ذلك لم تقدم الرواية العربية معالجات كاشفة بحجم وعمق تلك المآسي. وهو ما نسأل عن سببه مجموعة من الأدباء العراقيين .

ويؤكد الروائي العراقي شاكر نوري أن الرواية العربية العظيمة لم تولد بعد، ويرى أنه على الروائي أن يكشف القصص العظيمة في واقعنا لكن القصور لا يأتي من الواقع العربي الملتهب بل من الروائيين العاجزين عن مقاربة الموضوعات الكبيرة. ولا تقتصر الرواية على كتابة الموضوعات بل يجب أن تقدم كل ما هو جديد في عالم التقنيات السردية التي وصلت إلى أوجها. ولا يوجد إبداع دون الإبداع في اللغة وإيجاد التقنيات السردية الجديدة.

ويضيف “أستطيع القول بكل ثقة إن الواقع العربي يتجاوز مخيلة الروائيين العرب.

ويتابع نوري “يجب على الروائي أن يستكشف آفاق المستقبل. فالرواية فن صعب بحاجة إلى كل الطاقة البشرية بكل ما فيها من ألغاز وأسرار لكي تعانق الأرواح التي شاءت ظروف العالم العربي بكل آلات السلطة والقوة لجعل الإنسان العربي ذلك الكائن الهش والضعيف الذي لا يقوى على مجابهة الواقع، لذا فإنه ضائع بين الهجرة والمنفى وقوى الظلام والإرهاب. لكن الرواية تنتصر في نهاية المطاف لأنها قادرة على رؤية الحقيقة.

ويرى نوري أن الحرب إعلان بربري لقوى الظلام على الإنسانية. إنها ثيمة كبرى للرواية، ولكن الرواية العربية لم تقدم لنا نماذج فنية راقية وظلت حبيسة الأنماط الجاهزة، بينما كان من الممكن أن يكون ميدانا إبداعيا كبيرا وساحة فنية وصندوقا للأرواح والنفوس والألغاز.

وفي رأيه أن ما يقال في الرواية لا يمكن أن يقال في أي فن آخر لا في البحث ولا في المقالة ولا في كتب التاريخ. ومن هنا تنبع أهمية الرواية كفن ابتكاري في استقصاء الحقائق الإنسانية التي لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال هذا الفن.

ويشير المفكر والروائي عمار علي حسن إلى أن الرواية العربية لم تهمل الكثير من القضايا الراهنة التي تفرض نفسها على الساحة من المحيط إلى الخليج، لكنها بالطبع لم تجار اللحظة، معبرة عنها كاملة، وهذا أمر لا يمكن أن يُتهم فيه الأدب بالتقصير، لأنه دائما، وفي كل الأمكنة والأزمنة والثقافات يأتي متأخرا بعض الشيء، لكن إتيانه يكون شاملا وضافيا، لا يكتفي باللهاث وراء العابر والمتجدد يوميا والغارق في التفاصيل الصغيرة المتكررة، إنما يغوص إلى الأعماق.

ويضيف “الروائي، إلى جانب أنه فنان، فهو أشبه بمختص في علم النفس الاجتماعي، لذا عليه أن يتوقف مليَّا أمام ما يجري، ويمعن التفكير والتأمل فيه، كي يصل إلى الحقائق العميقة، والغايات البعيدة. لكن هذا لا يمنعه أحيانا من أن ينخرط في ما يجري، كمشارك فيه، أو معبر عنه في لحظته، بالتصريح الشفاهي أو التدوين على شبكات التواصل الاجتماعي أو كتابة المقال السيَّار، أو مسجلا له أدبيا في طزاجته وفورته، وهو حتى في هذه الحالات، يقدم ما هو مختلف وفارق وأكثر ديمومة”.

ويتابع “أعتقد أنه بعد قرن من الزمن سيكون الأدب العربي مصدرا مهما لفهم ما يجري حاليا، لأن المؤرخين، كالعادة، سيتنازعون الرأي والموقف، فالتاريخ اختيار أو انحياز مهما تجرد كاتبوه، وربما تؤدي كثافة الأحداث إلى غرقهم في التفاصيل السياسية والأمنية والحربية متناسين أن من صنعوا الأحداث هم بشر من لحم ودم، وليسوا آلات صماء محايدة باردة.

ويوضح الروائي عمار الثويني أن الرواية كان لها الدور السباق في التطرق إلى العديد من الثيمات مثل الحروب ومآسيها وتأثيرها على الشخصية العربية وكذلك الإرهاب بكل أشكاله. ولا يظن من الإنصاف أن نقول إنها أغفلت عن ذلك.

ويقول “معظم الروايات العراقية التي صدرت بعد عام 2003 عالجت الحروب والإرهاب والاقتتال الطائفي والهجرة وأئمة الكذب والنفاق، وكذلك عالجت الرواية السورية التي صدرت بعد عام 2011 القتال الدائر في سوريا منذ عشرة أعوام وبشكل مكثف، ونادرا ما نجد أن رواية ابتعدت عن هذه المواضيع.

ويشير إلى أن رواياته الأربع “في ذلك الكهف المنزوي” و”القديسة بغداد” و”مشحوف العم ثيسجر” و”الغول البهي” تناولت الحروب وتأثيراتها في المجتمع العراقي وما رافقها من نتائج وكذلك حالة الانشقاق المجتمعي الذي صاحب دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003 فالعمل الأول ناقش ما حصل في الانتفاضة الشعبية التي تلت حرب تحرير الكويت عام 1991 ونتائجها الكارثية وكيف أنها شكلت مرحلة مفصلية من حياة المجتمع والشخصية العراقية. وفي الرواية الثانية ‘القديسة بغداد’ تطرق إلى الجيل الذي عايش الحرب الأولى مع إيران (1980 – 1988) وحرب تحرير الكويت (1991) والغزو الأميركي وتأثير كل ذلك على نفسية الفرد العراقي. في حين عالج في رواية ‘مشحوف العم ثيسجر’ أثر الحروب في تدمير البيئة المائية وتهجير أكثر من نصف مليون إنسان يعيشون في المسطحات المائية الأكبر في الشرق الأوسط. وفي روايتي الأخيرة ناقشت أثر الحروب على النفسية العراقية وكيف صنعت من شخصية هادئة ووديعة شخصية مجرمة تحب الدماء والقتل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.