منظّمة الدّول التركيّة.. سياسة أردوغان المتضاربة

 

بقلم/عباس الجمري..

 

 

تتغيّر الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط بشكل لافت. ولعل هذا التغيّر يعود إلى 3 أسباب؛ الأول هو بروز الصين كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية ومنافس لأوروبا والولايات المتحدة، ما يجعل الأخيرة تضع في أولويتها التعامل مع هذا التحدي الثقيل، بما يتطلّب إمكانيات واستراتيجيات مختلفة عن السّابق، وهو ما أفصحت عنه إدارة بايدن مراراً.

السبب الثاني هو ضمور الهيمنة الأميركية كقوة إمبريالية شاهقة لا يمكن مجاراتها. هذا السّبب يعود إلى عدة عوامل، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو عسكري، إذ تطوّرت الآلة العسكرية لعدد من الدول المناوئة لواشنطن، وتعاظمت قوة المقاومة في الشرق الأوسط، ما عطّل الكثير من السياسات الخارجية لأميركا. كذلك، إنّ ما يدأب عليه عدد من الدول بأخذ حصة من النفوذ، كروسيا ودول أميركا الجنوبية ومحور إيران وتركيا وغيرهم، حجّم العصا الأميركية، وغيّر قواعد اللعبة لحلفائها، سواء على صعيد الكيان الغاصب أو دول مجلس التعاون الخليجي.

السبب الثالث هو السياسات المبنيّة على أهمية إمدادات الطاقة ومحوريتها، والتي اختلفت كثيراً عما سبق، لأسباب منها اكتشاف منابع الطاقة المختلفة في بلدان كبرى كانت تستورده من الشرق بكثرة، وتوجّه العالم نحو الطاقة البديلة/النظيفة التي ستترك أثرها البالغ في الاعتماد التقليدي على النفط والغاز في العقدين القادمين.

تحديات تركيا مع تناقض الإقليم

في هذه الحزمة من المتغيرات، يقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على شرفة اهتمامه البالغ بتبوُّؤ تركيا منصّة مؤثّرة في العالم. وما ساعد إردوغان على بناء ذلك التطلّع الكبير، هو الملاءة المالية والقوة الاقتصادية لأنقرة، والعلاقات الممتازة التي تميزت بها، بفضل مهندس سياستها الأسبق أحمد داوود أوغلو، الذي عمل وزيراً للخارجية ومستشاراً للسياسات الخارجية، ثم عين رئيساً للوزراء، إلى أنّ استقال في أيار/مايو 2016، إذ وضع بلاده على سكة الإقليم، وجعلها تنمو بشكل متسارع، لكن الاختلاف بين أوغلو الذي اجترح سياسة “صفر مشاكل” وإردوغان الحالم بتمدد يشبه في شكله ومعناه الإمبراطورية العثمانية، جعل الأخير يتدخل في أكثر من دولة، بعض كان مفيداً لنفوذه، وبعضه الآخر ألحق الضرر بذلك النفوذ.

ومع الأخطاء الجمّة التي أثقلت السياسة التركيّة في سوريا مثلاً، فإنَّ تركيا لا تزال تحاول أن تتمدَّد، سواء في ليبيا أو أذربيجان أو في نزاعها على الغاز الطبيعي مع اليونان. ‏وبحسب موقع “أحوال تركية”، صدّرت أنقرة منتجات بـ4.7 مليارات دولار إلى “إسرائيل” في العام 2020، لتحتلّ المرتبة التاسعة بين أكبر المصدّرين إلى “إسرائيل”. ‏وفي الأشهر الأربعة الأولى من 2021، ارتفعت الصادرات التركية إلى “إسرائيل” بنسبة 35%، إلى 1.8 مليار دولار، مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وأصبحت الأخيرة ثامن وجهة للصادرات التركية.

‏وبالمقارنة مع العام 2002، عند وصول حزب “العدالة والتنمية” الحاكم بزعامة إردوغان إلى السلطة، لم تكن الصادرات التركية إلى “إسرائيل” تتجاوز 850 مليون دولار سنوياً، ما يعني تضاعف الرقم 4.5 مرات خلال 18 عاماً.

‏في المقابل، بلغت واردات تركيا من “إسرائيل” 1.5 مليار دولار في العام 2020، وبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا و”إسرائيل” 6.2 مليارات دولار، ما يعني ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.4 مرات خلال 18 عاماً.

‏ويعتبر الصّلب أهم صادرات تركيا إلى “إسرائيل” في العام 2020، بـ919 مليون دولار، ثم السيارات بـ704 مليون دولار. كما تستورد “إسرائيل” جزءاً كبيراً من احتياجاتها من الإسمنت من تركيا.

الطموحات والخيارات الصعبة

هذه الطّموحات دفعت صانع القرار التركيّ إلى أن ينحو إلى تنويع دائرة أسلحته الاستراتيجيّة، الأمر الَّذي أدى إلى نشوب أزمة سياسية حادة بين حلف الناتو، وعلى رأسه أميركا، وتركيا، في إثر عزم الأخيرة على شراء صواريخ “S400” من روسيا، وهي صفقة ضخمة بلغت كلفتها مليارين ونصف المليار دولار. وقد واجهت أنقرة عقوبات أميركية، أبرزها منعها من المشاركة في صناعة “F35”، وهي حظوة كبيرة تمنحها أميركا لشركائها المقربين.

المعاناة التي تحيط بسياسة إردوغان تتمثل بأنّه يريد أن يحظى بالشراكة الكاملة مع الأميركيين والأوروبيين، عبر عقد التحالفات والشراكات ومحاولة الدخول في الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت ذاته، يحاول أن تكون تركيا لاعباً إقليمياً لا يتوقف عن النموّ ليصل إلى العالمية.

منظّمة الدول التركية.. المصير المرهق

في منتصف الشهر الجاري، وخلال انعقاد مؤتمر المجلس التركي الذي يضمّ عدداً من الدول الناطقة بالتركية، والذي تأسَّس في العام 2009 كمجلس منظّم للتجارة، أعلن الرئيس التركي تحويل المجلس إلى “منظمة الدول التركية”، وقال: “إنَّ المنظمة تحظى باحترام عالمي، وهي سبب في توثيق الترابط بين الدول الأعضاء”. وتتكوَّن منظمة الدول التركية من تركيا وأذربيجان وجمهورية شمال قبرص التركية (غير معترف بها) وتركمانستان وأوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان.

الموازنة السياسيّة مقابل الموازنة الاقتصاديّة

هذه الموازنة التي يحاول إردوغان إتقانها، كمن يمشي على خط دقيق، ماسكاً عصا سياسته من النصف يتوازن رغم كلّ التململات. المنهك في هذا الأمر، أن اللعبة السياسية غير قابلة للانتهاء، ما يعني أن محاولة إتقان هذا التوازن ستكون شاقة ومكلفة. والأقلّ كلفة في هذا الإزاء، أنَّ تركيا لن تكون معاوناً موثوقاً لأيِّ معسكر، باعتبار أنها لا تتبنّى مبانيه. في المقابل، يقلّل محلّلون من فكرة أن تركيا تستطيع أن تتحرّر من إطار الناتو، ويؤكدون أنها لا تزال وستبقى حليفاً وثيقاً لأميركا، مهما كانت مناوشاتها.

في المحصّلة، لن يترك الغرب أيَّ حليف من حلفائه يفكّر في الاستقلال، وأي محاولة في هذا الاتجاه ستقابل بالرفض والعقاب. وقد منع الأميركيون حليفتهم السعودية من التسلح بالسلاح الروسي، ولو كان ذلك في إطار الحرب مع اليمن.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.