هل أخطأ الغرب في التعامل مع روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي

 

بقلم/خالد البوهالي..

 

يقول المؤرخ الأميركي ألفرد ويتني جريسولد: “إنَّ الّذين لا يعتَبرون من أخطاء الماضي مكتوبٌ عليهم تكرارها مرة أخرى”. تنطبق هذه المقولة على الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، في النظر إلى الدول الأخرى نظرة ازدراءٍ وتعالٍ. ومهما بلغت تلك الدول من قوةٍ وتطورٍ، تظلّ النظرةُ الغربيةُ إليها راسخةً في ذهنية أصحاب القرار الغربي، لأنَّ العقلية الغربية تأبى أن تفهم حركية التاريخ.

عندما انفرط عقد الاتحاد السوفياتي سابقاً، كان أمام الغرب فرصةٌ تاريخية لضمّ روسيا إليه، مثلما كان قادة روسيا آنذاك يأملون، في إطار ما سمي بـ”التكامل الأوروبي”، وذلك لو أحسن الغرب قراءة الوضع الداخلي في روسيا جيداً، من خلال مقاربةٍ استشرافيةٍ تأخذ مصالح موسكو الجيوسياسية بعين الاعتبار، لكنّ الغرب تعامل مع الرّوس كطرفٍ منهزمٍ.

في كتابه “البوتينية روسيا ومستقبلها مع الغرب”، يقول الكاتب الأميركي وولتر لاكوير: “لطالما كان الغرب يمارس سياسةً توسعيةً ممنهجةً لنطاق نفوذه وسيطرته عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. لقد جرى التعامل مع روسيا كأمةٍ مهزومةٍ، وتم تجاهل مصالحها واعتراضاتها. ومع ذلك، لا يعتبر الروس أنفسهم مهزومين“.

وفي السياق نفسه، كتب الصحافي الشهير توماس فريدمان قبل 7 سنوات مقالاً في صحيفة “نيويورك تايمز” حمل عنوان “أن نلعب الهوكي مع بوتين”، وقال فيه: “أن نكون جادين بخصوص ما يجري في روسيا، يعني أن نكون جادين في التعلّم من أخطائنا الكبيرة التي ارتكبت بعد سقوط جدار برلين. كان من الخطأ أن نفكّر في أننا نستطيع توسيع حلف شمال الأطلسي إلى ما لا نهاية“.

وأضاف قائلاً: “كان من الخطأ أن نفكّر في أننا نستطيع معاملة روسيا الديمقراطية كعدو، كما لو كانت الحرب الباردة لا تزال مستمرة، وأن نتوقع منها التعاون معنا كما لو أن حقبة الحرب الباردة انتهت، وأن هذا لن يؤدي إلى أن نُوَاجَهَ برد فعلٍ عنيفٍ مناهضٍ للغرب، مثل البوتينية“.

إذاً، يتبيَّن أن الغرب بنى استراتيجيته على إضعاف روسيا منذ البداية وعزلها داخل نطاقٍ جغرافيٍّ مُعينٍ، رغم أنها كانت شبه منهارة، بسبب المخاوف من عودة موسكو إلى تهديد أمنه من جديد، ناسياً أو متناسياً أنَّ مثل هذا السلوك سيثير حفيظة القوميين الروس الَّذين سيرون في الإجراءات الغربية إهانةً لعظمة بلادهم التي كانت إلى عهدٍ قريبٍ تشكل إحدى ركائز النسق الدولي الثنائي القطبية.

ومع تنحّي الرئيس الراحل بوريس يلتسين، وتولي الرئيس الحالي فلاديمير بوتين القادم من عالم المخابرات السوفياتية “الكي جي بي” السلطة، تغيّرت معالم السياسة الخارجية الروسية التي حملت اسم “مبدأ بوتين”، والتي تضمّنت من بين مبادئها التسعة التخلّص تدريجياً من نتائج الحربِ الباردة، إذ تم التعامل معها كطرفٍ مهزومٍ، فضلاً عن دعم الترابط بين دول الاتحاد السوفياتي السابق لحماية منطقة خط الدفاع الأول، مع عدم السّماح للغرب بتهميش الدور الروسي في العلاقات الدولية، وكذلك العمل على خلق عالم متعدّد الأقطاب، بحيث لا يكون خاضعاً لقوة واحدة مهيمنة في المسرح العالمي.

 في خطابه في مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية في 10 شباط/فبراير 2007، عبَّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن عدم رضاه على الهيمنة الأميركية على العالم، وعلى السياسة التي تنهجها واشنطن في التعامل مع القضايا الدولية، وشدّد على ذلك بعدها في 9 أيار/مايو 2007، في خطاب له في الساحة الحمراء، بمناسبة ذكرى الانتصار على النازية في الحرب الكونية الثانية، ما يعكس توجّهاً جديداً في السياسة الخارجية الروسية.

ويبدو أنَّ الغرب لم يحسن قراءة خطابَي الرئيس بوتين السالفي الذكر. لذا، سار في نهجه الرامي إلى احتواء روسيا بالإيعاز إلى الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي بمواجهتها عسكرياً، رغم البون الشاسع في القوة بين الطرفين، والذي أفضى إلى هزيمة مذلّة لجورجيا.

كما عملت الدول الغربية على دعم الثورات الملونة في دول الجوار القريب إلى روسيا، من خلال إطاحة الأنظمة الموالية للأخيرة، وتنصيب حكام موالين لها، كما حصل في كل من أرمينيا وأوكرانيا. ورغم النجاح النسبي، فإنّ الثمن كان باهظاً لهاتين الدولتين، إذ فقدت الثانية شبه جزيرة القرم، بينما فقدت الأولى إقليم ناغورنو كاراباخ لمصلحة أذربيجان، بينما فشل المخطط في بيلاروسيا، من دون نسيان الدعم الذي تلقّته بعض “منظمات المجتمع المدني الروسية”، في محاولة من الغرب لإحداث تغيير في المشهد السياسي الروسي، بخلق معارضةٍ قويةٍ مناوئةٍ للرئيس الروسي بوتين.

خلاصة القول، إنَّ سياسة إذلال روسيا التي سلكها الغرب كانت انعكاساتها سلبيةً عليه، بسبب قصور نظر قياداته السياسية، وها هو اليوم يخوض صراعاً مع روسيا في أوكرانيا، مكرراً الأخطاء نفسها، ولكنه يُجَابَهُ بمقاومةٍ روسيةٍ شرسةٍ، فالصراع مع الغرب بالنسبة إلى قادة الكرملين هو صراعُ وجودٍ شعاره “نكون أو لا نكون” على الخارطة الجيوسياسية الإقليمية والدولية. لذا، يمكن القول إنَّ الغرب أخطأ في التعامل مع روسيا.

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.