الإمارات وسياسة إزاحة المشاكل: ماذا عن المقابل؟

بقلم/إسراء الفاس

 

تبدو التقلبات على الخط الإماراتي سريعة، إن لم تكن في المضمون، فحتماً هي كذلك في المشهد. يحلّ محمد بن زايد ضيفاً على رجب طيب إردوغان، ويسبق عبد الله بن زايد نظراءه العرب إلى سوريا. وعلى خطوط الحوار المفتوحة مع إيران، تُفتح صفحة جديدة بين البلدين، كما هو معلن. وعلى الرغم من أنّ التواصل الإيراني الإماراتي ليس الأول من نوعه، فإنَّ التطوّرات على خطّي دمشق وأنقرة في الدرجة الأولى استحوذت على الاهتمام الإعلامي، ليُطرح التساؤلان: لماذا الآن؟ وماذا عن الخلفيات؟

تصفير المشاكل أم إزاحتها؟

“إن الدافع وراء كل ذلك هو التقييم الذي أجرته الإمارات لدورها في المنطقة، والمراجعة العميقة لنفوذها الإقليمي الذي اكتسبته على مدى السنوات العشر الماضية. الإمارات العربية المتحدة تحاول تعزيز نفوذها الإقليمي، وتحاول إظهار نفسها كصانعة سلام من الآن فصاعداً”. هكذا تقدم الإمارات روايتها على لسان أحد أبرز المقربين من دوائر القرار فيها، الأكاديمي عبد الخالق عبد الله، وهي السردية نفسها التي ذهبت صحيفة “العرب” إلى اعتمادها، لتلخّص المشهد بعبارة: “تصفير المشاكل إقليمياً”.

هذا ما يقوله الإماراتيون، إلا أن الوقائع الحاضرة في يوميات السياسة التي ينتهجها حكام الإمارات لا تدعم هذه السردية، ففيما تسعى الدبلوماسية الإماراتية لخفض التوتر مع إيران في اتصالات دبلوماسية انطلقت منذ عامين، ها هي تنخرط في مناورات عسكرية مشتركة مع “إسرائيل” في البحر الأحمر، وتمارس الحصار والتضييق بكل الأدوات المتاحة بحق فصائل المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، والعلاقات الإماراتية-الإسرائيلية تعدت مرحلة التطبيع، لتترجم بصيغة تحالف يتمظهر في التعاون العسكري والتنسيق الأمني وتعهد المصالح الإسرائيلية في المنطقة.

وفي الوقت الذي تنفتح أبو ظبي على أنقرة، بعد كسر الجمود في علاقاتها مع الدوحة، تحضر أيضاً في دمشق بثقل موازٍ. هكذا يمارس الإماراتيون ما يصدق توصيفه بالانفتاح على التناقضات عندما يتعلق الأمر بإيران وسوريا، في ظل العلاقات الثابتة مع الكيان الصهيوني والمستجدة مع تركيا، في مسار ينسف بالكامل عنوان “تصفير المشاكل”، ليبدو أقرب إلى إزاحتها.

الخليج بين القلق والمحدّدات الأميركية

وثمة عامل ركّزت عليه تقارير الصحف الغربية، التي ربطت ما يجري بتبدل أولويات السياسة الخارجية الأميركية. تلملم واشنطن أوراقها في المنطقة. وعندما تقرر الرحيل، لا تلتفت إلى الوراء. يقول الخليجيون ذلك أمام المسؤولين الأميركيين.

وفي واحد من أحدث تقاريرها، تتوقف شبكة “سي أأن أن” عند ذلك، لتقول: “اللاعبون الإقليميون قرروا أنه لم يعد بإمكانهم الاستعانة بمصادر خارجية لأمنهم، فالولايات المتحدة التي قفزت ذات مرة للدفاع عنهم أثناء غزو صدام حسين للكويت في العام 1991، لم تفعل شيئاً – على الأقل علنًا – ردًا على هجوم طال مصافي النفط السعودية في العام 2019، وأدى إلى خفض إنتاج المملكة من النفط إلى النصف… يبدو أنَّ الزمن يتغير”.

وترى الشبكة الأميركية أن الانفتاح الإماراتي مرده إلى القلق الخليجي من كون الولايات المتحدة لم تعد تجد نفسها ملتزمة تجاه المنطقة، ما يعني أنّ عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم. وتربط ما استخلصته باستجوابات كانت توجه إلى وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، وتكررت يوم السبت الماضي خلال جلسات مؤتمر حوار المنامة السنوي. وقد رد عليها الوزير الأميركي بالقول: “ما زلنا ملتزمين بهذه المنطقة. لا يزال لدينا عشرات الآلاف من القوات في هذه المنطقة. لدينا قدرة كبيرة.. بصفتي شخصاً قاتل هنا لعدد من السنوات، دفاعاً عن المصالح في هذه المنطقة، أؤكد أننا لن نتخلى عن هذه المصالح في المستقبل”.

 ووفق ما يظهره تقرير الشبكة الأميركية، يبدو أن التطمينات الأميركية لا تلقى آذاناً صاغية في الخليج الذي كان يتطلع إلى انخراط عسكري أميركي مباشر يتعدى عمليات الدعم اللوجستي، ليضع حداً للانكسارات الميدانية التي اكتفى الأميركيون خلالها بتقديم عمليات الإسناد من الخلف، وهو ما يفسره سؤال وُجه إلى أوستن عن عدم وجود رد على تفجير قاعدة أميركية في التنف في سوريا الشهر الماضي.

وإذا كانت الإمارات اكتشفت أن عليها أن تعتمد على نفسها في حل أزماتها مع تركيا وقطر، إلا أنَّ ذلك قد لا ينطبق على عمليات الانفتاح على إيران وسوريا، إذ إن التحرك الخليجي بالعموم هنا لا يمكنه أن يخرج عن دائرة المحددات الأميركية لسقف العلاقات مع الجمهورية الإسلامية، بل لعله يأتي ضمن خارطة طريق مرسومة أميركياً تتعاطى بواقعية مع ثقل النفوذ الإيراني في المنطقة، والمكتسبات التي خرجت بها إيران وحلفاؤها في ميادين الحروب التي فتحت ضدهم، وذلك بعد تيقّن واشنطن بأنَّ ثمة خطوطاً حمراً عند طهران، التي ترفض أن تخرج محادثاتها ومفاوضاتها مع الغرب عن دائرة الملف النووي، فلا الصواريخ الباليستية، ولا دورها ونفوذها وعلاقاتها الممتدة في المنطقة، ستحضر على أي طاولة مفاوضات مع الغرب، وهي خارطة تلتقي مع أدبيات الاحتواء التي تنظر إليها كبرى مراكز الدراسات الأميركية؛ احتواء إيران عبر دول الجوار، التي تعطي المجال لانفتاح خليجي على إيران بعنوان الاستحصال على تطمينات حيال نفوذ طهران الآخذ في التمدد، ولا سيّما أن الأخيرة لا تنفك تؤكد أنّ تحسين العلاقات مع دول الجوار يأتي على سلم أولويات سياساتها الخارجية. وعليه، فإنّ فصل التحركات الإماراتية في المنطقة – بين إيران وتركيا – بمنطلقاتها وخلفياتها يبدو أساسياً.

وأبرز الملفت تتمثل بـالأزمة الاقتصادية التي تعصف بأنقرة مع انهيار الليرة التركية، والاضطراب الاقتصادي العالمي الناجم عن جائحة كورونا، والذي تحاول الإمارات التعافي منه، إلى جانب التحديات الاقتصادية التي يفرضها التسابق الاقتصادي السعودي الإماراتي الذي يبدو أنه خرج عن كونه مجرد تنافس.

الحرب الباردة تدور رحاها، من محاولات استقطاب الشركات المتعددة الجنسيات في مساعي إرساء اقتصاد ما بعد النفط، إلى التصارع على الاستحواذ على الاستثمارات في الأسواق الآسيوية في إندونيسيا وسنغافورة والهند. ترى تركيا في الشهية الإماراتية على الاستثمار خارج الحدود ما يخدم تطلعاتها للنهوض باقتصادها المنهك. هي تمتلك سوقاً مفتوحاً ومربحاً، والإماراتيون يمتلكون رأس المال المطلوب لعملية الإنعاش التي تحتاجها تركيا.

الخطّ الذي سيربط حقول الغاز الطبيعي في حوض شرق المتوسط بأسواق أوروبا، عن طريق كيان الاحتلال الإسرائيلي، مروراً بقبرص واليونان، ترفضه تركيا، لما تجد فيه من تهديد لمصالحها الاستراتيجية في مياهها الإقليمية، ومن عزل لأي دور لها في مجال توريد مصادر الطاقة المكتشفة في البحر المتوسط، وهو الدور الذي كانت أنقرة تراهن عليه، بحكم موقعها الاستراتيجي وسوقها المفتوحة على العالم.

المشروع الإسرائيلي في الدّرجة الأولى، تلتزم الإمارات بجرّ تركيا للقبول به، لتتمكن أبو ظبي أيضاً من توريد مخزونها النفطي إلى الأسواق الأوروبية عبر خط أنابيب يصل “إيلات” على البحر الأحمر بميناء عسقلان في الأراضي المحتلة، لتشكل خطوط الأنابيب ممراً بديلاً يضرب قناة السويس، فهل سيكون لجزرة الاستثمارات الإماراتية ذلك المفعول المؤثر في مستقبل توريد الطاقة عبر المتوسّط؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.