“وجوه في الزحام”.. العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب

 

 المراقب العراقي/ متابعة…

«وجوه في الزحام» رواية للكاتبة فاطمة يوسف العلي قصيرة في حجمها، بليغة في سردها، تدور حول حياة أسرة واحدة وتركز على هموم النساء، وتطلعات المرأة الجديدة في بداية النهضة الاجتماعية في الكويت، ولا تنسى تمثيل ارتباط الأسرة الرصين بالقضايا القومية العربية المستحقة، مثل ارتباطها بالقضية الفلسطينية التي تشغل حيزا من الاهتمام منذ بداية الرواية، إذ يقول الأب أبو خالد: «- هذه القضية القومية المصيرية لن يأتي حلها أبدا من موسكو أو من واشنطن أو من لندن، ولن يأتي حلها حتى من باريس، بل يأتي منا نحن، من إرادتنا نحن، من وحدة الصف، والكلمة، والرأي». ومن الواضح جدا هنا اعتناق الرؤية الماركسية عند الأب والحديث عن رغبته بوصفه مواطنا عربيا في صنع قدره ومصيره، مع إيمانه بقدرته على الفعل. وهذه الرؤية التي آمن بها العرب في منتصف القرن الماضي تكسرت على أرض واقع الخيبات العربية المريرة من نكبة ونكسة واتفاقية أوسلو.

تسلط الرواية من جانب آخر الضوء على هوية المرأة، وإمكانية بنائها من منظور تقليدي يناقش أولويات المرأة الزواج أم التعليم؟ والزواج من المرأة الأجنبية أم المرأة العربية؟ وهذا اتضح من خلال شخصية أحلام التي كانت في بداية الرواية مجرد صورة نمطية تقليدية للمرأة العربية الخليجية، فيما بعد خمسينيات القرن الماضي تقدم رجلا وتؤخر أخرى نحو حقوقها المتوقفة، حسب كرم الرجل. وتظهر صورة الأب المانح الذي يهب المرأة حريتها بناء على قناعاته إذ يقول: «ولا تنس أنه لولا إيماني بالحرية قولا وعملا، ما أمكن لهما أن تنجحا أو أن تدخلا المدرسة أصلا».

وهنا تبرز قضية الحقوق المتوقفة على الممارسة والتطبيق حتى لو تم إقرار الحقوق قانونيا وسياسيا، فإن الأمر يتوقف على الممارسة السياسية. وهذا ما أثبتته تجربة أحلام في تشكيل هويتها معتمدة على التعليم في مقاومة التجربة العاطفية الفاشلة، وإثبات قدرتها على التجاوز وصنع صورة المرأة المتعلمة القوية القادرة على تجاوز الأزمات.

تعالج الرواية بشكل محوري العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب، من منظور حداثي لا ما بعد حداثي لفكرة الانتماء وعلاقة الأنا بالآخر. يتضح ذلك في الجانب الذي يخص المنفى، والانقسام الحاد في النظر إليه، فهو كما قُدم في الرواية، إما سلبي أو إيجابي، لقد وصل محمد بعد انغماسه في الحياة الصاخبة في لندن إلى خلاصة مفادها: «الآن خرج المارد من قمقمه، ليعلن عن شرقيته وتحفظه وتمسكه بتقاليده وحساسياته وعاداته وأفكاره.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.