تعبيرية الحرف المسماري وجماليته في أعمال التشكيلي  محمد حاتم

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

 يرى الناقد جاسم عاصي أن التشكيلي  محمد حاتم استخدم الحرف المسماري  بقدر كبير كي يُنبه إلى أهميته التعبيرية والجمالية .

وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): يُعَد فعل الالتفات إلى الأزمنة المنصرمة، محاولة لترميم الزمن المعاش من الجانب الأنثروبولوجي. أما في الجانب الإبداعي والخلق الفني فيُعَد محاولة للتوظيف من خلال اختيار أبجدية جديدة، يتمكّن الفنان أو منتج النص من التعبير بوسيلة وأسلوب قد يتغاير مع ما هو متعارف عليه، أو فيه شيء من الابتعاد عن المألوف. وعدّت كريستيفا ذلك بتوصيفه بالتناص، ووصف كإجراء في النقد العربي القديم بـ(وضع الحافر على الحافر) وفي الفن التشكيلي، يمكن توصيفه بنوع من تأصيل النظرة الذاتية للظواهر من خلال توظيف مفردات النص القديم، واستدعائها كمُعينات في التعبير. وقد وجدنا في جُهد الفنان محمود عجمي أبرز مثال في الرسم والنحت.

واضاف :لمحمد حاتم إسهامات واضحة ومتمكّنة في هذ الضرب من التوظيف. معتمداً على استدعاء الحرف المسماري والجسد من الملاحم القديمة كشخصية الملك جلجامش وشخصية المؤثر المعرفي أنكيدو. وتُعد الفنون، وحصراً التشكيلي من الفنون التي لها إمكانية امتصاص ما هو عامل على تعميق النص الصوّري. وبذلك يكون الفنان غير معني بالتفاصيل، بقدر ما تعنيه الشيفرات التي يستعين بها لعكس رؤيته النابعة من العقل الجمعي. لذا نجده حريصاً على ترسيخ مجموعة مفاهيم في ما يمارسه من فعل التلاقح المعرفي الإنتاجي. انطلاقاً من مفهوم توائم الإبداع بعامّة عبر رموز قارّة تستعين بها الذات الفنية لتحقيق نوع من التحوّل في تنفيذ العمل الفني.

وتابع : أنه كفنان ينتمي إلى تشكيلة (تخاطر) يضع بصمته الفنية من خلال ممارسة التوظيف لرموز ومعالم وعلاقات الموروث القديم. ولعله في الضرب من الخلق، يعمد إلى تقريب الشكل الفني بكل مكوّناته نحو صورة جديدة في التعبير، وخلق علاقات بنيوية وجمالية ضمن كادر اللوّحة. فناهيك من توظيفه للحرف المسماري، وظِلال النماذج من الرموز الأسطورية، نجده يتعداها نحو خلق مناخ وفضاء محفوف برؤى جمالية تخص النظرة البصرية لسطح اللوّحة، وهو إجراء تعتيق اللوّحة عبر تعتيق الألوان، وإظهارها على شكل يقترب من اللُقى الأثرية.

 

واشار الى إن عالم اللوّحة المنعكسة على سطح العلاقات الجمعية والثنائية، يتفرد بها في صياغة علاقات جديدة من خلال خلق توائم بين هذه الأشكال والرموز، بمعنى استحداث صورة محققة لرؤى معاصرة، تتطلب حسا بصريا متأنيا، لكشف تلك العلاقات المتوارية ضمن علاقات تكاد تكون خفية، لأن السطح في النص التشكيلي هنا فيه المعلن والمضمر. فالمعلن ينطوي على مجموع العلامات والشيفرات الظاهرة على السطح، والمضمر يتجسّد في ما تقود إليه هذه العلامات لدلالات أخرى.

واوضح :أنه من هنا نرى الفنان يعمل على وضع جُهده ضمن دائرة غير مغلقة، يستطيع الرائي البصري كشف العلاقات والمواضعات، إذا ما توّفر على قدر من الوعي الذي يتأنى في استقبال محتوى اللوّحة.

وبين :أننا في هذا نجده أكثر قدرة على خلق مثل هذا العلاقات وتمثيلها على السطح، معتمداً على مجموعة رموز منها (الحروف/ العلاقات الإنسانية/علاقات الآلهة/ القوانين والتشريعات/ تقديم النذور إلى الآلهة، الرموز الزراعية) وغير ذلك من الرموز القارّة في التراث القديم. وبهذا استطاع حاتم أن يمنح لوحته حراكاً جديداً، لا يكتفي بذاته، بقدر ما يستعين بكل ما من شأنه الارتقاء بالفن. ولا يتم هذا إلا من خلال المؤاخاة بين ما هو معاصر، وما هو موروث وعكس نظرته المتدرجة في تجسيد المعنى، التي تنتج دلالات تُعينه على تقديم رؤى حيوية وفعّالة. وهذا نابع من قوة الحرف المسماري والجملة. فالأبجدية المسمارية تمتلك جمالية خاصة، وتعبيرا فنيا عبر تشكيلتها الحروفية. فالرشاقة والتشابك (التقاطع) يخلق نوعاً من علاقات تٌثير البصر، شأنها شأن الحرف العربي الذي وجد له متسعاً على سطوح لوحات الفنانين، بما يعبّر عنه من خلجات صوفية خالصة وجمالية عامة.

ولفت الى أن الفنان لا يكتفي باستحضار وتوظيف الحرف المسماري حسب، بقدر ما ينتبه ويُنبه إلى أهميته التعبيرية والجمالية، من خلال تشكيل المعمار الكلي للوّحة وبنائها عبر مقطعات، تستعين بالحروف ككتل جمالية في حركتها الهرمونية، بحيث تبدو مثل عمارة لأمكنة أسطورية ذات صفة شعبية. فهو غير معني في هذا بالتفاصيل، وإنما تهمه معمارية وتنضيد العلامات التي تعكس المعنى العام والخاص. فالإشارات الحروفية في لوحاته يحكمها قانون الجمال الذي يرتقي بالمعنى. إن التلازم والتواؤم والانسجام الذي يخلقه الحرف، عكس جمالية من جهة، ومظان يخص البنية الفكرية من جهة أخرى.

وختم :أن الفنان محمد حاتم كما نراه فنانا يلاحق ما يمكّنه من تجسيد المعنى، لأنه فنان ملتزم بالزمان والمكان وحيواتهما. لذا أخضع أداته الفنية لمرتسم معرفته بالأشياء والوسائل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.