حق التظاهر في الدستور العراقي خلال مئة عام

 

 

بقلم/ د.قاسم بلشان..

 

التظاهرات هي حق في التعبير عن الرأي كأحد اشكال المشاركة السياسية , على أن لا يتعدى على حريات الآخرين وكفله القانون والدستور , والهدف منه هو ايصال مطالب الجماهير الى الجهات المعنية والضغط عليها ، فعندما يكون هنالك حيف على الشعب او شريحة معينة من المجتمع يخرجون في تجمعات سلمية للمطالبة بحقوقهم .

واتفقت جميع القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان على حق الدول في وضع قانون ينظم فيه هذه التظاهرات , ولكن لا يوجد أي وثيقة دولية أو قانون يطلق الحق في المسيرات والتظاهرات دون تقيد بالنظام , بل إن جميع هذه المواثيق تتفق على حق الدول في منع أي تجاوز في التظاهر حسب ماجاء في القانون او الدستور .

ومن اهم هذه المواثيق هي: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والاقتصادية , والاتفاقية الأوربية , والاتفاقية الأمريكية , وكذلك في الميثاق الافريقي . ومن يقرأ ويدقق في المواثيق يتأكد ان هناك إجماعا دوليا على عدم قانونية التظاهر خارج حدود القانون ‘ فالدول الغربية تستخدم قوات خاصة بالتظاهرات لمنع خروجها عن ضوابطها القانونية المسموحة .

وشهد العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 العديد من التظاهرات لعل من ابرزها انتفاضة او تظاهرة عام 1931 او ماتسمى ثورة الشعب الصامتة ، وهو اضراب وقع في بغداد وبابل وكربلاء والنجف وواسط وميسان وذي قار والسماوة والرمادي وبعقوبة يوم 5 يوليو 1931 بسبب قانون رسوم البلديات رقم 82 لسنة 1931، واعقبتها الكثير من التظاهرات خصوصا خلال حكومة نوري سعيد وصالح جبر خلال القرن الماضي .

 وفي الوقت الحاضر شهد مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2019 موجة تظاهرات خرج فيها الآلاف في العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، احتجاجا على استشراء الفساد والبطالة وسوء الخدمات العامة.

 اما ابرز انواع التظاهرات عبر التاريخ والتي تطرق لها الباحث الدكتور قاسم بلشان التميمي في بحثه فهي : التظاهرات العمالية وتختص بالعمال في قطاع معين أو قطاعات مختلفة يطالبون فيها بمطالب جماعية عادة ما تكون رفع الأجور ، او تغيير ظروف العمل ، أو الاعتراض على قوانين العمل غيرالملائمة لهم  ، وكذلك تطرق الباحث باختصار الى النوع الاخر وهي التظاهرات الطلابية : وتعنى بشريحة الطلاب ، والذين غالبا مايجتمعون في مسيرات احتجاجية يعارضون فيها ظروف الدراسة ، او واقعها أو مشكلة معينة في المناهج الدراسية وامتحاناتهم وجميع القوانين التي تؤطر هذا المجال وهم عصب المظاهرات التي عارضت السلطات عبر تاريخ العراق السياسي .

 وتعد التظاهرات السياسية من ابرز الانواع عبر التاريخ الحديث على مستوى العالم العربي والعراق خصوصا بعد التغيير الحاصل في الانظمة العربية ، لانها تمس انعكاسات واسقاطات الواقع السياسي على المجتمع وتكون هذه التظاهرات هادفة إلى التعبير عن رفض وضع سياسي معين والسعي إلى الضغط على الأطراف السياسية القيادية لتغيير واقع سياسي ما يتعارض مع تطلعات ورغبات الشعب ، أو المطالبة بتغيير بعض القوانين التعسفية في الدول، ويقوم المتظاهرون خلالها بمسيرات واحتجاجات سلمية في الغالب ، وهذا ماحدث في تظاهرات عام 2019 . وفي ظل ظروف غير آمنه وغير مستقرة وهشاشة الواقع السياسي وحداثة الديمقراطية والفوضى المرافقة لها يجب ان تقوم الجهات الامنية المختصة باستعدادات لحماية التظاهرات ، وفي نفس الوقت الإنتباه الجيد الى المحيط الذي تدور فيه الأحداث ، بالإضافة الى تجنب التصعيد مع الأطراف التي تريد أن توقع بالمتظاهرين ومحاولة جرهم الى منزلقات أخرى من شأنها خلق العنف والفوضى وهذا ماحدث في المظاهرات العراقية الاخيرة من عام 2019 للاسف الشديد وراح ضحيتها الكثير من الشباب الذين تظاهروا بسلمية مطالبين بحقوقهم المشروعة .

 ان ثقافة التظاهر وبطريقة سلمية هو دليل على وعي المواطن على ان يكون بعيدا عن العنف والاستفزاز , وعلى السلطات ان تهيا اجواء وبيئة امنة لها استنادا للدستور الذي يحكم البلاد . استعراض موفق للتظاهرات وسرد تاريخي بذل فيه الكاتب الدكتور قاسم بلشان التميمي جهدا واضحا من خلال تسليطه الضوء على تاريخ التظاهرات وربطها بالقوانين والدساتير التي حكمت العراق والتقلبات السياسية والمزاج الشعبي الذي قاد التظاهرات عبر التاريخ .

 يعد هذا الكتاب اضافة نوعية للقارئ ليتعرف من خلاله على تاريخ العراق والسلطات التي حكمته والذي لن يخلو من التظاهرات التي امتدت اكثر من قرن من الزمان باعتبارها حق مشروع كفله الدستور.

 ويعد العراق من اوائل البلدان العربية الذي اعتمد دستور يمنح الافراد والجماعات حق التظاهر قياسا للدول العربية .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.