موناليزا

 

 

 

 فاطمة الزهراء المرابط..

 

آه، منك يا دافنشي! آه من السحر الذي سكبته على اللوحة! أدقق النظر في ملامحها، أتوجه إليك بالسؤال وكأنك ماثل أمامي: لم سرق هذا الوجه الضوء من الوجوه الأخرى، التي تفننت في تشكيلها؟ لم زين بها نابليون غرفته لسنوات قبل أن يعيدها إلى مكانها آمنة؟ لم سرقها البعض وقلدها البعض الآخر؟

أستحضر الآن صديقي الفنان، وهو يناديني بـ«موناليزا» الاسم وحده جعلني متجمدة قبالة شفتيه، لم أسأله عن خلفية اللقب، الذي تكرر على مسامعي أكثر من مرة، بل اكتفيت بابتسامة طفولية. هل يحق لي السؤال الآن؟ ما وجه الشبه بيني وبينها؟ أتأمل صورتي المعكوسة في المرآة جواري، واللوحة العظيمة المعلقة قبالتي. لا شيء يربطني بهذه الصورة الجامدة. صوت صديقي الفنان يهمس لي: سأرسمك يوما، وأجعل لوحتي تضاهي الموناليزا جمالا وسحرا، أتذكر صوتي وأنا أمازحه قائلة: ستكون آخر لوحة ترسمها قبل أن تودع الفن بلا رجعة.

«موناليزا» الاسم يرن في أذني الآن، رنته تشبه الموسيقى وأنا في حضرتها. لم كنت أتلذذ وأنا أستمع إليه، وهو يناديني بها؟ أتساءل مع نفسي وأنا أستحضر ابتسامة صديقي الطفولية.

صديقي الفنان يقول لي، وهو يرسم حركة عجيبة بأصابعه في الهواء: متى ستبتسمين أيتها الجميلة؟ الابتسامة ستزيدك بهاءً.. كلماته تؤجج السؤال في أعماقي: لم لا أبتسم، وإن ابتسمت جاءت الابتسامة باهتة أو عابرة. أتذكر الفوتوغرافي الذي أجبرني على الابتسام وفشلت المحاولة، أتراني أحاول رسم الوقار على شخصيتي، أم أن لا شيء يستدعي الابتسام في هذا العالم؟ الابتسامة ولا شيء غيرها هي السر العالق بيني وبين «الموناليزا» التي عشقها دافنشي دون لوحاته الأخرى. اللوحة التي سحرت عشاق الفن، وجعلت المداد يسيل لملامسة السحر الكامن في عينيها وشفتيها. هل كنت تجبرها على الابتسام يا دافنشي، كما أجبرني الفوتوغرافي يوما لتخرج الحزن من أعماقها؟

قبل سنوات، عندما رأيتكما معا في كتاب التاريخ، سألت أستاذتي ببراءة الأطفال: من تكون هذه المرأة؟ فهمست لي وكأنها تفشي سرا كبيرا: إنها أمه التي لم يرها من قبل، فرسمها هكذا كما تخيلها في خياله المتعطش إلى لحظة اللقاء.. هل هي فعلا أمك؟ هل هي صورة السيدة ليز زوجة أحد النبلاء الحزينة، كما قرأت في مجلة ما؟ أم عشيقتك كما ادعى البعض؟ أم أنها مجرد صورة من الصور التي صنعها خيالك؟

يضيع السؤال بين الوجوه الأخرى التي أصادفها وأنا أهم بالمغادرة، أرسم على وجهي ابتسامة عريضة، ألوح لها من بعيد وأختفي وسط الزحام، لا شيء يرافقني غير ابتسامتي الضائعة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.