“العشار” أساطير لا تنفد في حكايات الأحياء البصرية الشعبية

تداخل السردي والشعري سمة بارزة في قصصها

 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد محمد السيد إسماعيل  “العشار” ، أن مجموعة القاص محمد خضير  أساطير لا تنفد  في حكايات الأحياء الشعبية يتداخل فيها السردي والشعري حتى غدت سمة بارزة في قصصها.

وقال إسماعيل في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):  تنقسم الفنون؛ طبقاً للتصنيفات النقدية الحديثة، إلى فنون مكانية يقع على رأسها الفن التشكيلي، وفنون زمنية تقع الموسيقى في قمتها. بينما تجمع الأجناس الأدبية بين البعدين؛ المكاني والزماني. وداخل الأجناس الأدبية ذاتها يمكن ملاحظة طغيان الصفة المكانية على السرد، بينما يجنح الشعر إلى البعد الزمني حتى على مستوى إيقاعاته.

وأضاف: غير أن القاص محمد خضير يكسر هذا التوقع ويجعل المكان بناسه وحكاياته وأساطيره هو مدار كتابته في مجموعته القصصية “العشار… أساطير الميل الواحد” (دار الرافدين). والعشار هو أحد الأحياء الشعبية العراقية وهو مرتبط -شأن الأحياء الكبيرة- بعشرات القصص حيث إن الدوران حوله كما يرى الكاتب “مقرون بعدد القصص المروية عن حياة ساكنيه وعامليه المحسوبة بحوادث غير مسجّلة في ديوان ولا تنتسب حكايتها لراوٍ بعينه”.

وتابع: ومن خلال تأمل هذه السطور نجد خضير يخلع على هذه القصص بعض الصفات وهي أنها تدور حول ساكني هذا الحي وأنها غير مسجَّلة، ما يعني أنها شفاهية، وأنها لا تنتسب لراوٍ بعينه، أي إنها شعبية لا تعرف المؤلف الواحد. إنها حكي جماعي خاص بالمكان، غير أن الكاتب يحاول أن يقوم بدور هذا المؤلف من خلال حكاياته الحديثة التي تتواصل مع القديمة حول هذا المكان العريق حين يقول “سأروي تباعاً عن عربة بائع الشاي وخيمة الإسكافي وزاوية بائع الخواتم ودكان العطار وبائع التمور”.

وبين: أنها شخصيات المكان المهمَّشة أو التي تعيش على حافة الحياة. ويؤكد خضير خصوصية حكيه وتمايزه عما سبق قائلاً: “ولي في كل قصة مذهب ورفقة ومغزى”. وهو يعلم أن صانع الأسطورة إلى زوال حين يشيخ ويموت حتماً لكن أساطيره هي التي تبقى، كما يبدو من قوله “يشيخ المؤسطر المسحور بينما أساطيره تتناسل بلا عمر محسوب”. وهي أساطير لا تنفد حيث يتماهى بعضها مع بعض وتزداد أبعاداً جديدة مع مرور الزمن. وهذا ما يريده الكاتب تحديداً في قوله “تشاكلات وتماهيات متناسلة في مساحة ميل مربع واحد لكن حصيلتي منها لا تنفد”. إن الحرية المتاحة فقط هي حرية الخيال الذي يؤسطر الحكايات بينما يظل الفرد مقيداً بسلطة الجمع لا يستطيع خرق قوانين هذا المربع.

وأوضح : أن تداخل السردي والشعري يعد سمة بارزة في هذه المجموعة، ويظهر هذا في نص “حارة السكاكيني”، على سبيل المثال، إذ يبدأ بالمكان أيضاً منذ عنوانه وسوف نرى على مدار النص تحديدات زمنية ومكانية بالإضافة إلى الشاعر وبائع الأحجار وذلك حين نقرأ “في جانب من سوق الأحجار الثمينة كان سميي البائع ينتظر موعدي الأسبوعي به، فلدينا ما نتبادله ونتهاداه ونخبئه، هو في صفحة نحاسية وأنا في بطانة سترتي وجيوبها الداخلية”. حيث نجد في هذه السطور تحديداً للمكان -جانب من سوق الأحجار الثمينة- والزمان -الموعد الأسبوعي بين السارد والبائع- وحركة الشخصيات ثم تأتي “الثغرة الزمنية” حين يقوم الكاتب بتسريع حركة الزمن متجاوزاً بعض الأحداث… “في نهاية النهار رافقتُ بائع الأحجار إلى داره خلف ضريح الولي عز الدين الرفاعي الواقع في حارة السكاكيني، ولا تسل عن سر تسميتها بهذا الاسم قبل هذا الوقت”.

وواصل: وسوف نلاحظ تغير المكان وتحوله من السوق إلى دار بائع الأحجار الثمينة، أي من العام إلى الخاص لكن السارد يظل حريصاً على تحديد موقع هذه الدار ليربطها بما هو عمومي: ضريح الولي عز الدين الرفاعي الواقع في حارة السكاكيني. ولأنه راوٍ تقريبي فإنه يتوجه بالخطاب إلى المتلقي الذي يستهدفه ويطلب منه ألا يسأل عن سر تسمية “حارة السكاكيني” بهذا الاسم.

واكمل:والحقيقة أننا أمام توحد بين المكان والإنسان، فحين يتحدث السارد عن الشحاذات في قصة “الجسر”، يقول إنهن “جزء من الجسر الخشب وعمرهن من عمر إنشائه على نهر العشار في العهد الملكي”. ومن الواضح أنه يقوم بأسطرة هؤلاء الشحاذات فلا أحد يمتلك كل هذا العمر الممتد منذ العهد الملكي، لكنه الخيال الأسطوري الذي يوظفه منذ البداية. ومن علامات هذا التوحد أن السارد يقيس مسافة الجسر بعدد هؤلاء الشحاذات حين يقول “أقيس مسافة جسر” المقام “بعدد النسوة الشحاذات وكمية الخردة المعبّأة في جيب بنطالي، أربع شحاذات وثماني قطع نقدية تسقط اثنتان منها في كل كف من الأكف الأربعة المبسوطة”.

وختم: وأخيراً يمكن أن نسمي شعرية محمد خضير المتجلية في تلك النصوص السردية بشعرية “الأشياء”، وذلك لأنه يتوقف أمام الشيء سواء أكان صغيراً -المفتاح أو الأيقونة- أم كبيراً بحجم حائط ويقوم بتشعيره ووضعه في سياقات منفتحة على أفق واسع من الدلالات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.