بايدن وقمة “الديمقراطية – القاتلة”.. هزيمةُ الكاهن والطقوس

 

بقلم/ميشال كلاغاصي..

 

في عالمٍ أرهقه الفلاسفة والمفكّرون عبر عشرات الرؤى والنظريات، وأثبته أصحاب التجربة بأفعالٍ، اختصرت الحكاية منذ البداية، وتوّجت الحلم والنضال، والمبادئ الإنسانية، والقيم الاجتماعية، وطرق حكم المجتمعات والدول وأساليبه ووسائله، بتعبير واحد هو “الديمقراطية“.

وكي لا يصيبنا الصداع في محاولةٍ لفلسفة الفلسفة بوجود التجربة، دعونا نقفز نحو النتائج مباشرةً، “فمن ثمارهم تعرفونهم”، ونرى كيف ابتكر وفهم وترجم المروجون والمدعون الجدد لهذا المفهوم والمصطلح بشكلٍ فعلي، وأين تم تطبيقه، ومن استحوذ عليه واحتكره وتشدق به، وحوّله إلى سلاحٍ واستراتيجيةٍ للسيطرة على العالم.

بالتأكيد، نحن نتحدث عن الولايات المتحدة الأميركية، وكل من حاول قبلها أو معها السير وفق تعاليم “الديمقراطية – القاتلة” ونصوصها وأقوالها وأفعالها وطقوسها، على أنها الديمقراطية الحقيقية التي ينشدها جميع ساكني الأرض، فالديمقراطية الأميركية، وبالأفعال، أثبتت أن سكان الأرض الأصليين احتاجوا إلى جزّ رؤوسهم لينعموا بالديمقراطية بعد انقراضهم، وأن اليابان احتاجت إلى أن تُقصف بالقنبلة الذرية ويقتل شعبها وتُدمّر، وأفغانستان احتاجت إلى غزو أميركي لأكثر من 20 عاماً لتنعم بديمقراطية “طالبان”، ومثلها العراق، احتاج إلى غزو واجتياح واحتلال أميركي ليعيش اليوم بلداً طائفياً مقسماً، وسوريا احتاجت إلى غزو أميركي – إرهابي، لتفقد أمنها، وتُنتهك سيادتها، وتُحتل أرضها، وتُسرق ثرواتها، ويُقتل شعبها ويحاصر ويجوع، من أجل الديمقراطية الأميركية، بمساعدةٍ من خلطةٍ سامة ركّبتها ودعمتها بنفسها ودعتها “قوات سوريا الديمقراطية”، لأجل تقسيم سوريا، وربما فدرلتها أو تشظيها، ولسرقة نفطها وقمحها، والأهم من أجل تكريد شرقها وتغيير ديموغرافيتها والتنكيل بأهلها، من أجل دفعها نحو الديمقراطية الأميركية، بتأكيد إلهام أحمد، القيادية في “قسد”، التي رأت “ضرورة زحف الديمقراطية” من مناطق احتلالهم وأريافها نحو “حصار دمشق وإجبارها على قبول الديمقراطية“.

وكي لا يتوقَّف أحدكم عند كلمة طقوس، فقد ولدت الديمقراطية الأميركية ونمت وترعرعت ونضجت وتذوق “طعمها” الكثيرون، وأصبحت مطلباً وغايةً تبنتها واشنطن وبعض العواصم الملحقة، وانتهى بهم المطاف بأن أقاموا لها المعابد ومارسوا فيها الطقوس، واختاروا لها كاهناً تعددت أسماؤه. وفي أحدث نسخة، جاء جو بايدن، الذي أرادها ضجيجاً وحدثاً ولقاء غير مسبوق، دعا إليه من يشبهونه والطائعين له، للمشاركة في “عرسها” وحدثها الدولي الكبير: “قمة الديمقراطية“. 

في يومي 9 و10 كانون الأول/ديسمبر، سيستضيف الرئيس الأميركي اجتماعاً افتراضياً لعقد “قمة الديمقراطية”، بمشاركة العديد من الدول، على اختلاف أنظمتها السياسية وتنوعها ومدى علاقتها بالديمقراطية.

إنّ فكرة القمّة و”تحالف الديمقراطيات” ليست وليدة اللحظة، وهي تدور منذ العام 2017 في رأس بايدن وصديقه أندرس فوغ راسموسن (قائد الناتو السابق، وقائد العدوان على ليبيا، ورئيس وزراء الدنمارك السابق)، اللذين مهّدا لها عبر قمة كوبنهاغن للديمقراطية في العام 2018، وكذلك في أيار/مايو من العام الحالي أيضاً.

ومن خلال صدور لائحة الدول التي تمت دعوتها إلى قمة بايدن، لوحظ أنها لا تشمل الصين وروسيا وتركيا وإيران وكوريا الديمقراطية وفنزويلا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس والمجر وبيلاروسيا، في حين تمت دعوة العراق، وتجاهل الأميركيون دعوة كل الدول العربية، إضافة إلى دعوة “الكيان الإسرائيلي الغاصب”، و16 دولة أفريقية فقط من أصل 54 دولة. كذلك تمت دعوة حكومة تايوان وسط غضبٍ صيني، وغموض حيال دعوة الصين من عدمها.

أيّ وجوهٍ “ديمقراطيةٍ” تمت دعوتها، من حكومات صربيا (جيش تحرير كوسوفو)، وحكومة الدمى الأميركية في دونباس، وحكومة بولندا اليمينية المتطرفة التي هاجمت اللاجئين العابرين لحدودها بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، و”حكومة” القتلة والاحتلال والفصل العنصري في الكيان الإسرائيلي الغاصب، وحكومة اليميني الخانع بولسونارو في البرازيل!

يا لها من قمةٍ مزيفة! تحاول واشنطن من خلالها تحقيق كسبٍ إعلامي على حساب سمعة خصومها في الدول غير المدعوة، وحماية النظام الرأسمالي المتوحش وصناعييه ومصرفييه وعسكرييه، الذين أحكموا قبضتهم على الداخل الأميركي، وانتهوا خارج الحدود بهزائم عسكرية وسياسية ودبلوماسية واقتصادية – تجارية، انعكست على الداخل الأميركي، وكادت تودي به نحو الحرب الأهلية والعنصرية والطبقية، وإعادة تلميع وجهه الذي تلطّخ بالفضائح، وبالعداوات والحروب غير المبررة، والمخاطر والتهديدات التي تنتظر البلاد، جراء السياسات الخارجية المدمرة والمجازر التي ارتكبتها تحت عنوان الديمقراطية والمصالح الأميركية وضبط إيقاع العالم والسيطرة عليه.

لا بد من أنَّ العالم سيشهد قمة تستحقّ لقب “القمة – الفضيحة”، و”قمة – الدول العصابات”، الباحثة عن تقسيم العالم ما بين معسكرين متناقضين “ديمقراطي ولا ديمقراطي”، بهدف حماية “الكاهن ومعابده وطقوسه”، في وقتٍ لن يكون بمقدورها إخفاء حقيقتها أمام دول العالم وشعوبه، وخصوصاً الشعب الأميركي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.