«استقراء العراق ».. ما مدى التأثير الذي يمتلكه المثقفون على الناس

 

 جمال العتّابي..

تكمن أهمية البحث في هذا المضمار في سياقه العلمي والأكاديمي، بما يضيفه من مساهمة جادة ومفيدة، دأب عليها محسن الموسوي، على مدى تجربته المعرفية والإبداعية، ويبدو أن تاريخاً من السلوك السياسي/الاجتماعي/الثقافي، تسبب بمشكلات خطيرة، تراكمت منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، خرجت من قمقمها بعد انهيار النظام السياسي، باحتلال ثانٍ في التاسع من نيسان/إبريل 2003، في أقل من قرن، لذلك سعى محسن الموسوي إلى تطوير المنظور الثقافي، بالاستفادة من عدة موارد، كالتاربخ والسرديات والذكريات والمدوّنات والحكايات والنوادر، ليقدم لنا أنموذجاً عراقياً صرفاً، عراقا بمنظار أهله، كما يذكر في تمهيد كتابه «استقراء العراق.. صراع السلطة والثقافة» ترجمة إنعام الشريفي، مراجعة حسن ناظم، والصادر من دار الكتاب الجديد 2021.

يذكر أن الكتاب صدر بطبعته الأولى باللغة الإنكليزية عام 2004، وما تزال الأفكار والأسئلة التي طرحها الموسوي تحتفظ بحرارتها وجدواها، أمام التشوهات الواقعة أو المحتملة في الواقع العراقي.

إن أكثر الأسئلة أهمية هي: هل يمتلك مثقفو العراق زمام الأمور في بلدهم؟ وهل كانوا يوماً كذلك؟ ما مدى التأثير الذي يمتلكونه على سواد الناس؟ إن جسامة الأحداث تستدعي إسهاماً نظرياً وعملياً، يعطي تفسيرات، أو إجابات لهذه الإشكالية ذات الطابع السياسي ـ الثقافي، التي أخذت حيزاً في اهتمامات عدد من الكتاب والمفكرين العرب، منذ ثنائية (فوكو) في المعرفة والسلطة، فحفلت المكتبة العربية بالدراسات والكتب عن موضوع (المثقف والسلطة) لكتّاب مثل، محمود أمين العالم، إدوارد سعيد، سعد الدين إبراهيم، حليم بركات، فيصل دراج، محمد عابد الجابري والعروي، وشعراء كأدونيس، وعبد اللطيف اللعبي، كما أن عدداً من المؤتمرات انعقد، خلال العقود الأربعة الماضية، كان محورها (ثنائية السلطة والمثقف). وأغلب دراسات هؤلاء، كانت تركّز على الأطر النظرية للعلاقة، أما الدراسات العراقية فجاءت الريادة فيها لموضوعات متنوعة ومتناثرة بين الدراسات التاريخية والأدبية، إذ لا توجد دراسة مستقلة بهذا العنوان، سوى هذه الدراسة لمحسن الموسوي، تبعتها دراسة تقدمت بها رهبة أسودي، كرسالة ماجستير في جامعة بغداد عام 2006.

«استقراء العراق» ليس أرشفة لتاريخ العراق الحديث، ولا هو لمحة من سجلّه السياسي، بل هو توجيه الأنظار نحو أهمية الديناميات الثقافية لأي نظام حاكم، وتحاول القراءة إقحام القارئ معها لبلورة منظور مؤد إلى فهم تضاريس الثقافة، كاشفة عمّا في الأغوار من مطامح ومخاوف، التي تطفو غالباً كلما حدثت أزمة وطنية، تتراوح بين الاضطهاد السياسي إلى الاحتلال العسكري، وإن استقراء العراق بمنظار الثقافة والسلطة، هو بمثابة بارومتر ملاحي لقياس تلك التغيرات الزلزالية، التي سوف تقرر لأزمان مديدة المسار التاريخي لأرض عاجّة بالمتاعب، جُبِلَ أهلها على حب عارم للاستقلال والحرية.

يتناول الكتاب في فصله الأول دراسة العراق بصفته أمة تشكّلت وفقاً لسياق العصر الحديث، ويعيد النظر في بعض المعتقدات الشعبية المبنية على ثنائيات حضرية وريفية، أما الفصل الثاني، فيلقي نظرة عامة على التفاعل الديالكتيكي أو الجفاء والتباعد بين الديناميات الثقافية، وعلاقات القوة والنفوذ، منذ الاحتلال البريطاني للعراق 1914، حتى عام 1958، فيه يثبت المؤلف أن الثقافة عنصر حركي فعال في الإخلال بالموازين ورجرجة الثوابت، ويقدم الفصل الثالث من الدراسة لمحة عن الوعي العراقي المتنامي آنذاك، من خلال عدستي الأيديولوجيا والدين، وفي الفصلين الرابع والخامس تناول للمؤشرات السياسية للأدب في إشاعة الوعي الثقافي، وتعريف ما بعد – الكولونيالية في الثقافة العراقية.

إن تحديد طبيعة علاقة السلطة بالمثقف تخضع لثلاثة منطلقات أساسية، وهي طبيعة السلطة السياسية، دور المثقف، فئات المثقفين، وهناك من يدعو إلى خضوع الحياة الثقافية لسيطرة السلطة، وبالضد منها هناك دعوة لانفصام العلاقة بجميع أشكالها، والدعوتان متطرفتان في التوجه، على خلاف دعوة الاعتدال في التعامل مع السلطة، وبناءً على ذلك يذهب محسن الموسوي إلى أن الثقافة العراقية انشطرت إلى وعيين، وأصبحت مشدودة بينهما، وأصبح تاريخ العراق يتواءم مع الشطرين. إن تناسل سلالات (القمع- المعارضة) عبر التاريخ، ينطبق على المجتمعات كافّة، لكنه في العراق أخذ منعطفات حادّة، كلما استلم الحكم مهووسون بالسلطة لا يخلون من الدهاء والحنكة والدربة والمعرفة.

وفي اعتقادنا أن الثقافة لا يمكن أن تنمو في رحم المؤسسة الحكومية، بل عليها أن تحافظ على مسافة كافية مع السلطة، لتبتعد عن آليات التدجين التي تبتكرها الأنظمة الشمولية، وعدم الاستسلام لأساليبها في مصادرة الحريات، وقمع الحريات، والانقياد لسلطة العسكر كما حصل في تموز/يوليو 58، إن إذعان المثقف لهذا الواقع يعلن بوضوح إفلاسه وفشله، في الوقت نفسه، علينا أن لا نغفل دور الأدب العراقي في رصد ومراقبة التحولات السياسية والاجتماعية عبر تاريخ العراق الحديث، إذ شهدت عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات هذا التحول في الجسد الاجتماعي والثقافي، إن العديد من النصوص تلمست حيوية ونبض الشارع السياسي عبر رصد الكثير من الظواهر تلك.

إن رصانة الكتاب، وعمق تحليلاته، يجعل من «استقراء العراق» رافداً مهماً وبارزاً يحتاج إلى قدر كبير من المناقشة والحوار ، وهو بمثابة تنبيه لفكر محسن الموسوي، الذي دأب على استنطاق المعارف الإنسانية، بلغة صافية، وتحليل عميق لمعطيات الفكر والثقافة، وبما يمتلكه من طاقات إبداعية متميزة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.