مئوية “وهم” الدولة العراقية..!

بقلم / قاسم العجرش ..
تأسست ما تسمى بالدولة العراقية الحديثة عام 1921؛ عندما استورد البريطانيون ملكا على العراق من الحجاز، ليطيبوا به خاطر الأسرة الهاشمية التي كانت تحكم الحجاز(السعودية لاحقا)، والتي قادت ما تسمى بالثورة العربية الكبرى، التي كانت إحدى أدوات البريطانيين للقتال ضد الأتراك، وحيث وعد البريطانيون الشريف حسين ملك الحجاز بتأسيس امبراطورية عربية كبرى، ثم لاحقا “لحس” البريطانيون وعودهم للهاشميين.
بلحاظ أن الشيعة وقفوا الى جانب الأتراك، وأعلن علماؤهم الجهاد الى جانب العثمانيين(الخلفاء)، وقاتلوا بضراوة ضد الغزاة الأنكليز، وكانت ثورة العشرين؛ التي كان من مؤداها خروج الشيعة، من معادلة الحكم إلى غاية 2003!
بعد 83 عاما من تأسيس الدولة العراقية السنية، تغير الحال في 2003، واليوم نحتفل بمئوية هذه الدولة، وسنحاول هنا الإجابة على سؤال مؤداه: هل يمكن بناء دولة عصرية في ظل القبلية المتصاعدة؟!
في سياق مقاربة تتلمس طبيعة العلاقة؛ بين القبيلة كناظم اجتماعي، وبين الدولة كنظام وبنية عصرية للمجتمع، فإنه إذا كان من المفترض؛ أن يتقلص نفوذ العشيرة لصالح سلطة الدولة، وأن يتحول الفرد من الارتهان القبلي والمناطقي الضيق، إلى الشعور بالانتماء إلى كيان جامع، يحقق في كنفه المواطنة، فإن الواقع إلى حد الآن يشير إلى عكس ذلك.
بعد مضي قرابة قرن من عمر ما سمي بالدولة الوطنية، مازالت القبيلة تشكل ظاهرة، ومازال العراقيون يتشبثون بها، لاضطلاعها بأدوار مهمة في حياتهم، بحمايتهم وبالتكافل الاجتماعي وإصلاح ذات البين، ومعالجة مشكلاتهم، وأصبحت سلطة شرعية في المنظور والثقافة الاجتماعية، في ظل تراجع سلطة الدولة.
ما يعني أن أغلبية مهمة من السكان، لا ترى أنها معنية بشؤون الدولة، ولا تحس بروابط ضرورية معها، بل إن الدولة في نظرها ليست إلا استنساخا باهتاً للاحتلالات السابقة، ووسائلها السلطوية من جباة الضرائب والغرامات، وأوامر التجنيد الإجباري، وهكذا تكرست القطيعة…
في مرحلة “وهم” تأسيس الدولة، لم يكن سهلاً أن يقتنع السكان بالانصياع لنظام الدولة، وظلوا ينظرون الى ذلك بمنظار الشك، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات العشائرية، المعروفة بعنادها واعتمادها في تسيير أمورها؛ على الرؤساء التقليديين..
كان هذا نتيجة عوامل تأريخية ومجتمعية، أدت إلى تكريس عدم ارتباط المجتمع، بالمتغيرات الجديدة، الامر الذي حال دون توفر الشرعية الاجتماعية للدولة.
في عصر ما قبل الدولة، كان الأفراد يلجأون الى قبائلهم لاستحصال حقوقهم، وكانت القوة هي خيار استرجاع تلك الحقوق..ولذلك ساد مفهوم قوة الفرد من قوة قبيلته، وبتنا نسمع أن هذه القبيلة قوية، وتلك القبيلة ليست كذلك..وما زلنا كذلك حتى اليوم..!
بتغير أنماط الإنتاج، وتأسيس مفهوم الدولة، تتراجع سلطة القبيلة، وتنحصر في العلاقات الاجتماعية، وينحسر دور رؤساء القبائل، ويتراجع تأثيرهم في الحياة السياسية، ويقتصر في أغلب الأحيان على الوجاهة والمراسمية..
في الدولة العصرية؛ يحل مفهوم المواطنة محل الهويات الأخرى، ومع بقاء تأثير هويات الدين والطائفة والقومية، لكن الاستمرار في ترسيخ بناء الدولة، سيؤدي الى انحسار هذه الهويات..حيث يحمل الجميع صفة المواطنة، متساوين في الحقوق والواجبات، يلجأون إلى القانون والدولة لحل نزاعاتهم واستحصال حقوقهم..
رؤساء القبائل شخصيات مهمة، لأنهم يترأسون وحدة اجتماعية قائمة على علاقة الدم، تحصر الارتباط العشائري في حدود ضيقة، ولا تتوفر على برامج غير البرنامج التكافلي المتوارث، صحيح أن القبائل كان لها دور في الحياة السياسية في العراق، لكن هذا الدور كان يتعلق بالزراعة والرعي، وكان للقبيلة موطن تمارس فيه نمط إنتاجها هذا، ما يتطلب حماية هذا الموطن من تعديات الغير في ظل ضعف الدولة، ولذلك كانت السلطة للقبيلة على أبنائها..
كلام قبل السلام: أفضل وسيلة لجعل نظام القبيلة منسجما مع حركة التأريخ، ليس بزجها في العمل السياسي؛ من أجل تحقيق غايات وأهداف سياسية، ما يخلق مشاكل بين أبناء القبيلة الواحدة، وجعلها موضوعاً خلافياً يخضع للمصالح السياسية المتغيرة، بل في أن تتحول القبيلة إلى مظلة اجتماعية، بتنمية وابتكار أساليب عصرية قائمة على العقلانية..
سلام..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.