نظرة على الأهداف السياسية للنهضة الحسينية

 

كان التاريخ ولا زال اللاعب الأساس في رسم معالم الكثير من المعارف الدينية والإسلامية، وانسياقاً مع هذا النوع من التأثير أدرجت مجموعة من العلماء والباحثين الأحداث التاريخية التي أحاطت بالنهضة الحسينية في قائمة الأسباب المانعة من الالتزام بوثائق ومستندات أهدافها السياسية.

فكل الأئمة المعصومين عليهم السلام بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ـ باستثناء الإمام الحسين عليه السلام في موقفه الأخير ـ لم يُسجّل لهم التاريخ موقفاً سياسياً معلنا يُمثّل جانباً من جوانب الثورة والانقلاب والخروج على السلطات غير الشرعية لإسقاطها وإقامة الحكومة الإسلامية الإلهية العادلة بقيادة خليفة الله في أرضه.

فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قد بقي جليس داره زمناً طويلاً، ولم يرصد له التاريخ تحركاً سياسياً أو تخطيطاً عسكرياً لإسقاط النظام الحاكم آنذاك، بل كان مستشاراً دينيّاً وقانونيّاً وسياسيّاً لذلك النظام في كثير من القضايا المهمّة والمفصليّة، وحينما جاءه المسلمون يبايعونه على الخلافة ـ بعد مقتل عثمان ـ اعتذر في بداية الأمر عن قبول بيعتهم، وطلب منهم أن يلتمسوا غيره، وشارطهم على أنه سيكون داعماً للحكومة التي يختارونها، ولعل أسباب ذلك هو أن الأُمة قد انحرفت بعد نبيّها عن مسارها الصحيح الذي اختطَّه لها، ولم يبقَ بالإمكان فرصة إصلاحها، بإقامة حكومة إلهية على يد الخليفة المعصوم، باستثناء ما سيقوم به المهديّ عليه السلام. وحتى بعد قبوله عليه السلام استلام السلطة كان يعلم من أول الأمر بفشل مشروع الإصلاح، ولم يكن هدفه من ذلك تحقيق ما اندفعت الجماهير له وتخيّلته ممكناً، من إصلاح الأوضاع العامّة أو تعديل مسار السلطة في الإسلام. وإنما كان الدافع الأساس هو عهد النبي صلى الله عليه وآله له بالقيام بالأمر إذا وجد أنصاراً.

كذلك الإمام الحسن عليه السلام، حيث اضطر لترك الخلافة وتسليمها لمعاوية بن أبي سفيان، وبغض النظر عن الحديث في ظروف ومبررات ذلك، فهو عليه السلام في نهاية المطاف قد تنازل عن الخلافة لحساب معاوية، ما يعني أن الأُمة لا زالت غير مؤهَّلة لتشكيل حكومة إسلامية عادلة.

والإمام الحسين عليه السلام لم يتحرّك أيضاً بعد أخيه الحسن عليه السلام للقيام بالثورة والانقلاب لإقامة دولة الإسلام، لا في زمان معاوية ولا زمان ابنه يزيد، وهو إنما خرج أخيراً لطلب الشهادة بأمر إلهي، لمّا حوصر وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

والصورة أوضح وأجلى بالنسبة إلى سائر الأئمة المعصومين عليهم السلام، من زمن إمامة علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، إلى زمن الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام، والفترة التي أعقبتها حينما غاب ابنه المهدي عليه السلام، حيث لا نجد في فصول سيرتهم عليهم السلام أيّ تحرك باتجاه التغيير السياسي أو الانقلاب العسكري، بل كانوا يأمرون أصحابهم بالجلوس والسكون والالتزام بالهدنة وانتظار الفرج على يدي القائم من آل محمد عليهم السلام، خصوصاً في زمن الإمام الصادق عليه السلام، مع أن فرصة التغيير السياسي كانت كبيرة جدّاً في فترة إمامته عليه السلام.

روى الكليني بسنده عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: «قلت له: أصلحك الله! لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر، حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده؟ فقال: يا [أبا] عبد الحميد! أترى مَن حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلى والله، ليجعلن الله له مخرجاً، رحم الله عبداً أحيا أمرنا».

وروى النعماني في الغيبة بسنده عن عبد الرحمن بن كثير، قال: «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام يوماً وعنده مهزم الأسدي، فقال: جعلني الله فداك، متى هذا الأمر الذي تنتظرونه، فقد طال علينا؟ فقال: يا مهزم، كذب المتمنّون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون، وإلينا يصيرون».

وهذا كلّه يكشف عن أن منهج الأئمة عليهم السلام وسيرتهم بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن قائماً على التدبير والتخطيط لإسقاط الأنظمة الظالمة في زمانهم، واستبدالها بالحكومة الإلهية العادلة. بل إن سيرتهم عليهم السلام وسيرة أتباعهم قد جرت على مبدأ السكوت والجلوس والانتظار والترقّب، إلى أن يأذن الله بأمره؛ وذلك لأن الأُمّة قد فقدت قابلية الإصلاح والتغيير حينما انحرفت عن مبدأ الإمامة والخلافة الإلهيّة بعد وفاة نبيّها الأكرم صلى الله عليه وآله، فأضحى الإصلاح وإرجاع السلطة في الإسلام إلى مسارها الصحيح متعذراً، بعد الانحراف الكبير الذي تورّطت به الأمّة، وكان الأئمة عليهم السلام يعلمون بذلك من اليوم الأول للانحراف، وإن لم يتسنّ لهم التصريح به والتأكيد عليه إلّا بعد فاجعة الطف.

وحينئذ يكون الإيمان بثبوت أهداف سياسية انقلابيّة وثورية للنهضة الحسينية، مما يتنافى مع المنهج الصحيح والتوجّه العام والسيرة العملية المعروفة لأئمة أهل البيت عليهم السلام، في كيفية تعاملهم مع السلطات غير الشرعية، الحاكمة في زمانهم، حيث كانت قائمة على مبدأ المهادنة وعدم التصدّي لمواجهة الحاكم، مع أن بعض تلك السلطات قد لا يقل ظلماً وجوراً وتهتّكاً عن حكومة يزيد بن معاوية.

وقد سعى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بقوّة وبشكل جادّ للقيام بنهضة تصحيحيّة شاملة، كما سعى أيضاً بالسبل المتاحة والمشروعة لاستلام السلطة والخلافة وإقامة حكم الله في الأرض بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، والشواهد التاريخية والروائية على ذلك كثيرة جداً، ومستفيضة نصّاً ومعنًى.

ولقد واصل الإمام علي عليه السلام رفضه واستنكاره لخلافة أبي بكر، ومقاطعتها، وامتناعه عن أداء البيعة، وتحصّنه هو وأهل بيته وأتباعه في بيت فاطمة سلام الله عليها، والمطالبة المستمرّة بحقّه المشروع بالخلافة وقيادة الأُمّة، واعتبار ما حصل انقلاباً على الشرعية.

يقول عليه السلام في إحدى خطبه حول هذه النقطة بالخصوص: «وقال قائل: إنك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنتم ـ والله ـ لأحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه… اللهم، إني أستعينك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي».

وقد شكّل ذلك العصيان المدني والسياسي اللافت خطراً شديداً على تشكيلة الحكومة الجديدة، واعتبره قادة الحركة الانقلابية توهيناً وإضعافاً لهيبة الخلافة والدولة في نفوس عامّة المسلمين، ما استدعى منهم إصدار التوجيهات والأوامر بالتحرك العسكري لقمع المعارضة، وإعلان حالة الطوارئ، وفرض الأحكام الجاهليّة اللا عرفية، التي انتهكت حرمة البيت النبوي الطاهر، وتجاوزت على البضعة النبوية الشريفة بالضرب والتعنيف، وقد وقعت في أكثر من مناسبة مشادّات كلامية ومناوشات بين أفراد في المعارضة وبين قيادات حكومية وعسكريّة في الحزب الحاكم.

هذه وغيرها من الأحداث ـ في سياق الحركة السلميّة العلوية للمطالبة بالحقوق الدينيّة والسياسيّة ـ كوّنت رؤية واضحة لدى الرأي العام تجاه الخلافة القائمة وعدم شرعيتها. وهذا خير شاهد على التدخل المباشر من قِبَل المعصوم في صناعة القرار السياسي وتعيين نظام الحكم والسلطة، ولكن بالطرق السلميّة.

لقد ترأّس الإمام علي عليه السلام حركة ثورية لإدارة دفّة التغيير السياسي والحكومي، واتخذ خطوات ميدانية بقيادته الحكيمة لإسقاط خلافة الانقلاب السقيفي، الفاقد للأهلية والكفاءة في قيادة الأُمّة الإسلاميّة، وهنالك نصوص تاريخية وروائية كثيرة جدّاً، يمكن رصدها وتتبّعها لفهم معالم وآفاق هذه النهضة العلوية الرائدة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.