“ابن مقلة” .. حامل رسالة علم الخط والقلم

 

تمر علينا في مثل هذا اليوم ذكرى استشهاد الوزير والكاتب والخطّاط محمد بن علي بن الحسين المشهور بـ”ابن مقلة” سنة 328هـ.

وكان “ابن مقلة” قد تقلد الوزارة في أيام المقتدر العباسي والقاهر، ثم سجن في عهد الراضي لمعارضته جور العباسيين وقطعت يده ولسانه ثم قتلوه. وهو الذي نقل الخطّ من الكوفي إلى العربيّ المرسوم (النسخ)، وابتكر طرقاً جديدة في الخط العربي. ومن أهم آثاره: رسالة في علم الخط والقلم، رسالة في ميزان الخط.

ومع شروق فجر جديد وبزوغ شمس الاسلام .. أخذت الفنون تتسم برؤية فكرية جديدة مميزة ،  فهو محور التفكير الجديد والدعوة لإنتصار المعرفة على الجهل و خلق حركة علمية وثقافية شاملة طالت المجالات المختلفة ومنها الفن ، فقد اضفى الدين الاسلامي على الفنون طابعا خاصا ، اثر بها بشكل كبير حتى اصبح الفنان المسلم يخوض تجربة  توحيد الخالق المبدع من خلال فنونه المتنوعة كالعمارة والزخرفة وفنون الخط العربي .

فقد ابدع الفنان المسلم في مجالات الفنون الاسلامية بشتى انواعها ولكن .. للخط العربي خصوصية تفوق الانواع الاخرى منها، فقد اعتبر فن الخط  مقدسا عند المسلمين كونه الاسلوب الوحيد والمميز في كتابة كلام الله المنزل على رسولنا الاعظم محمد ” صلى الله عليه وآله ” ، لذا فقد خص الإسلام الخط باهتمامه ورعايته ، فالفنان المسلم لم تتجلّ عبقريته في ناحية من نواحي الفن بقدر ما تجلت في الخط العربي وتجويده واتخاذه عنصراً جماليا زخرفياً ابتكره فأتقنه وأبدع فيه  .

فحين أدرك الفنان المسلم ما للخط العربي من قدسية وصفات مميزة جعلت منه عنصرا جماليا طيّعاً في الفنون الاسلامية ، استخدمه واستثمره ليبدع في الزخارف الخطية أو الكتابية التي اصبحت من مميزات الفنون الإسلامية ، فعمل الفنان على رشاقة الحروف وتناسق أجزائها وتكويناتها الفنية ، وأصبح الخط العربي عنصرا مشتركا بين جميع اصناف الفن الإسلامي ، إذ نراه حاضراً على جدران العمائر الإسلامية كالأضرحة المقدسة والمساجد والقصور وعلى خامات مختلفة .

اما عن أنواع الخطوط فقد تعددت وتطورت مع تعاقب الحقب الزمنية ، واصبحت لها إمكانيات وظيفية وتزيينية في الفن الإسلامي كالخط الكوفي بأنواعه المتعددة (التربيعي والمورق والبسيط واخرى ) ، وخطوط النسخ والرقعة والديواني والتعليق ، فضلا عن خط الثلث الذي عد من أروع الخطوط العربية واهمها ، فقد أثرى حياة المسلمين بتوكيده الصلة الوثيقة بين العقيدة والتعبير الفني الملتزم ، لما له من ارتباط بفنون التشكيل والزخرفة بشكل عام ، فهو الاكثر طواعية من بين الخطوط مما منحه القدرة على التأثير العميق في فنون الحضارات الأخرى ، والتي جاءت من خلالها إبداعات الآلاف من الخطاطين المجودين المتأثرين بهذا الخط لآلاف من المخطوطات ونُسخ المصحف الشريف وعناوين الكتب الاسلامية بدافع التقرب إلى الله والرغبة في نشر كتابه الكريم  وبأجمل صورة .

ويعد خط الثلث من أكثر الخطوط صعوبة من حيث القواعد والحبكة وحتى الموازين ، وعندما يقال عن خطاط ما إنه مجود لخط الثلث ، فمعنى ذلك أن له خبرة متراكمة في فن الخط اهلته لأن يبدع فيه ، وقد استخدم الثلث بكثرة للكتابة على جدران بيوت الله وسقوفها ، وفي التكوينات الخطية المعقدة وذلك لطواعيته ومرونته في التركيب الشكلي ، حيث تبدو الكتابة فيه كأنها كل متماسك يملأُها التشكيل والحبكة في ترتيب الحروف بغية إيجاد أنغام مرئية تتخللها فراغات صامتة قد تُملأ بحركات الحروف او بعض الزخارف النباتية الدقيقة ، فنراه بحركة على الدوام وهو في الحقيقة جامد .

سمي خط الثلث بهذا الاسم نسبة الى نوع القلم الذي يكتب به ، فهو يكتب بقلم يبرى رأسه بعرض يساوي ثلث عرض القلم الذي يكتب به الخط الكوفي الجليل ، وسمي عند البعض”  أم الخطوط العربية ” لجماله وسيطرته على باقي أنواع الخطوط ، وقد اشارت الكثير من المصادر الى ان خط الثلث من اختراع الخطاط قطبة المحرر  ، الذي يعد أول خطاط في عهد بني أُميّة ، وقد وضعت القواعد الاولى لهذا الخط على يد الخطاط ابن مقلة وكان له الفضل الكبير في إيجاد الصيغة الفنية له ، وجاء من بعده الخطاط ابن البوّاب ، فتفنن فيه واخترع له أنواع جميلة اخرى .

ومن الجدير بالذكر ان خط الثلث تتفرع منه أنواع عديدة حسب شكلها وطريقة ابداعها ، وهي خط الثلث الجلي والثلث المحبوك والثلثي الزخرفي و الثلثي المتأثر بالرسم و الثلث المختزل فضلا عن الثلثي المتناظر ، وكل من هذه الانواع  يمتلك الكثير من الخصائص الجمالية المميزة له عن غيره ، وايضا يتميز كل منها بآفاق جمالية واسعة تعطي تكوينات فنية لا حدود لها ، فالحرف العربي بحد ذاته هو تراث متجدد في أي موضع يكون  وأينما تحرك فهو يعطي لعين القارئ جمالية ولعقله وروحه خيالا خصبا ليسبر أغوار الابداع الخطي للفنان المسلم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.