نحن لا نستطيع التنفس يا شيرين.. رصاصة لكل عربي وعربي لكل واحد منكم

 

بقلم / خالد شحام..
بالأمس يا سيدتي لم أستطع النوم ، وكلما نظرت إلى الساعة للهروب من الوقت كانت العقارب تعود إلى وقت رحيلك بلا توقف ، أشعر أن هذه الرصاصة اخترقت رأسي وتناثرت أفكاري ورثائيتي ولطخت كل الخارطة العوراء من شرقها حتى غربها …. لم أستطع النوم وأنا أشعر بأن المعطف الواقي من الحرية والكرامة والذي ترتديه الأمة ثقبته رصاصة عبرية ، ثقبت كل الخارطة العرجاء ودخلت من الصحراء وخرجت من صدر الصحراء ، دخلت في جبهتك الكونية ومرقت في كل دماغ عربي من الأرض المقدسة حتى الأرض المدنسة ، لم أستطع النوم يا سيدتي لأنك ثابتة امام وجهي ببسمة فلسطينية وتشيرين بإبهامك إلى الدم المسال من جبينك نحو سهول القمح وتسألين عبر الميكروفون عن مهر فلسطين ، أنا لا أستطيع التنفس و نحن لا نستطيع التنفس يا شيرين لأن الجريمة القصوى تجثم على صدورنا وتكتم صوت تقريرك الأخير .
في الحقيقة يا سيدتي أن دمك فاض من سهول الشمال والجنوب ولوث الدم الفلسطيني كل وجوه الأعراب والمستعربين وحكام العار والذل وحتى الشعوب التي ترغد في بحيرات الأفيون وشراب صهيون .
نحن متعبون يا شيرين ! متعبون من كلماتنا وتنديداتنا واحتجاجاتنا الهزلية التي تمنحهم حق الجريمة وحق الرقص على قبور الشهداء ، نحن متعبون من مرواغة الصحفيين والإعلاميين وتصريحات وزراء الخارجية المتسائلين عمن هو القاتل ومن هو القتيل ويشككون في علاقتك السرية مع فلسطين ، نحن متعبون يا شيرين من تصريحات السياسيين والأطباء والناطقين الرسميين الذين يرغبون في تحويل الجريمة إلى شريط أسود على صورتك الخالدة وقداس مدته ثلاثون دقيقة ، نحن متعبون يا شيرين من لجان التحقيق وخديعة الزعيق وأكاذيب البريق لأنهم يضحكون علينا ويضحكون على رحيلك ويضحكون على الزمان و كرمة العنب التي قضت نحبها لأجل فلسطين .
جنين أيضا يا سيدتي لم تنم بالأمس ولم تتمكن من إشباع ضمير الألم بالجرعة اللائقة من رصاصات الكلاشينكوف أو قصائد درويش ، فلسطين كلها يا سيدتي لم تنم بالأمس لأنك آلمت شعبها حتى الجذور وآلمت قلب كل عربي حر في شرق الأرض ومغاربها .
لقد أرادوا قتلك لأن غليلهم فاض عن حافة الكره ، لقد أرادوا قتلك لكي يقولوا بأن لكل عربي رصاصة ولكل فلسطيني واحدة او إثنتين لأنه لا يموت بسهولة ، لم يكفهم طيلة السنوات أنهم صنعوا للعرب سجنا وفقرا وأمية وجوعا ويأسا لأن شعارهم السرمدي هو موت لكل عربي ولكل حي على هذه الأرض ، لقد أرداو قتلك يا شيرين لأنك رمز للأرض التي ترفض المذلة ، ولأنك الصوت الذي يجب أن يذهب ، لقد أرداو قتلك لكي يقولوا لصحافة العرب بأن الرصاص هو صحافتهم وطريقة كلامهم ولكل مدافع عن شرف الأمة ، لقد ارادوا قتلك لأنهم يريدون ان يقولوا للعالم بأنهم لا يبالون بأحد أو يسألون بأحد وأنهم فوق هذا العالم وفوق هذا الزمان وأنهم شعب الله المختار بجدارة الرصاص ومعمودية الدم الفلسطيني .
تحدثت ذات مرة وقلت في تقريرك بأنك شاهدت الموت عن قرب وهو يقف على الأبواب في جنين الأسطورة ، لكنه بالأمس لم يتمالك نفسه وبكى عند مشاهدة تقريرك الأخير واحتضن من حيث لم يلحظ أحد جثمانك الملائكي .
دمك يا شيرين لن يضيع بين عيون الكاميرات ولا في عيون العالم المترنح بالكلمة الاسرائيلية ، دمك اليوم هو صوت فلسطين لكل هذا العالم وصوت الألم الفلسطيني الذي طال عليه العمر ، وجهك المقدسي تحول إلى أيقونة الحرية كي يعرف هذا العالم بأكمله كيف ولماذا يقوم الفلسطيني بعملية استشهادية ، اسمك يا شيرين تحول إلى محراب لجمع قلوب العرب على وجعهم الأول وسبب حريتهم الأخيرة .
دمك الان حنطة أو سكرأوحلوى عنبية أو ياسمين مقاتل يعانق الحجارة القديمة في البلدة القديمة ويتشبث بأعاليها ، ربما طيور مهاجرة أو نسمات ثائرة أو صلوات تهب من القدس نحو تخوم البلدات التي يتولد فيها المقاتلون وتُصنع فيها زجاجات المولوتوف ، أما الرصاصة التي أسكتت صوتك فقد فحصت حجم المعاناة و أسقطت الستارة عن حجم الجريمة المقيمة على صدور كل العرب وستوضع في متحف الجريمة القصوى للبشرية العمياء وتحفظ في صندوق من زجاج ، دمك الان قناديل معلقة تفوق المليون قنديل توزعت في أرجاء الأرض المقدسة ليهدي وهجها ضياء ومحمد ورعد وأحمد وابراهيم إلى طريق الشهادة والحرية والنصر المبين وقافلة الحرية التي لا تتوقف مهما قتلوا ومهما أجرموا .

هذا الزمان صهيوني يا شيرين لأن التحقيقات ستؤول لصالحهم واللجان ستؤيد جريمتهم والحلفاء سيشفقون عليك ويصفقون للقاتل ويشربون بعض النبيذ على ضفتي الجريمة ، وجه هذا الزمان اسرائيلي يا شيرين لكن الكلمات عربية والأرض لا تزال تحفظ القواعد وتقاريرك خالدة الصدى ، وجه هذا الزمان يضحك فيه السامري لكن بسمتك السحرية ستكسر كل هذا الزجاج الهش وتسقط قناع الغشاوة ، رجال فلسطين وشباب فلسطين سيمسحون هذا العار ، أنت الان في عهدة فلسطين وفلسطين في عهــدة من صدقوا الله وصدقوا الأرض وصدقوا العهد ومن بعدك تستمر المسيرة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.