ستولد الف شيرين حتى تحرير فلسطين

 

بقلم / اسيا العتروس..
رحلت شيرين ابوعاقلة شامخة كالنخل في علياءه كما تعودنا على طلتها اليومية منذ ربع قرن وكما عرفناها في ندوات دولية و كما ستظل في ذاكرتنا المشتركة , رحلت أيقونة فلسطين وأميرة السلطة الرابعة فيها , وستظل عنوانا و رمزا لقضية لا تسقط بالتقادم ..أعدموا من قبلها بدم بارد ناجي العلي وكمال عدوان وابطال فلسطينيون كثيرون ولكنهم فشلوا في اخماد اصوات هؤلاء الابطال و كلما رحل احد الا وولد الف بعدهم .. ولا يزال ناجي العلي يوشح الصحف اليومية و المواقع الاعلامية و يسخر من الاحتلال وكذلك ستبقي شيرين شوكة في حلق الاحتلال و لعنة تطارد الحكومات الصهيونية , بالامس غيب ارهاب الدولة الاسرائيلي شمعة فلسطينية مضيئة و وصوتا لكل الفلسطينيين ولكن غاب عمن أطلق الرصاصة المتفجرة في رأسها واستهدفها أن فلسطين ولادة , انه بدل شيرين ابو عاقلة سيولد الف شيرين وشيرين لاستئناف المسيرة و مواصلة الملحمة ..بالامس اطلق اسم شيرين على ثلاثة مواليد جدد في فلسطين واذا لم يكن ثلاثتهم خليفتها في المشهد الاعلامي فان الاكيد ان واحدة على الاقل ستحمل المشعل يوما ما ..
صعبة ومؤلمة الكتابة هذا اليوم الكلمات ترفض ان تطاوعني لنعي فارسة الصحافة الفلسطينية والعربية شيرين ابو عاقلة التي تجملت و ترجلت مبكرا بعد أن تعطرت بدمائها الطاهرة وقد استحقت كل الالقاب و النياشين والاوسمة التي جعلتها صوت فلسطين كل فلسطين وهي التي وحدت بالامس كل الصفوف و الفصائل و الحركات من الضفة الى غزة للمطالبة بتعرية الاحتلال وملاحقة ارهاب الدولة المنظم امام الجنائية الدولية ..
في ساعات الفجرالاولى كانت شيرين ابو عاقلة تستعد لنقل أطوار جريمة أخرى من جرائم الاحتلال في مدينة جنين حين امتد اليها رصاص الاحتلال الغادر ليعدم صوتها و يستهدفها في الرأس غيرابه بسترة الصحافة الزرقاء التي يفترض أن تمنحها الحماية في كل الاوقات ولا بالقوانين والاعراف التي تجعل من استهداف الاعلاميين جريمة حرب ..
صوت احدهم و هو يصرخ شيرين شيرين لا تتحركي اسعاف اسعاف اسعاف ..في مكان ما قرب موقع الجريمة كان صرخة مدوية ادركنا حجمها في الحين …
صباح أمس كان اول اتصال مع السفير الفلسطيني هايل الفاهوم بعد انتشار الخبر ..بدا صوته مختنقا قبل ان يحاول التدارك و يقول فعلا نحن جميعا تحت وقع الصدمة التي تكشفان العالم فقد انسانيته مشددا على أن من يدعمون الاحتلال بالمال و السلاح و من يحاولون التغطية على انتهاكات الاحتلال يشتركون في الجريمة معتبرا ان ما يحدث من اعدامات كارثة بمختلف المعايير و اعلان عن انهيار القيم الانسانية ..الفاهوم الذي اعلن انه سيتم غدا الجمعة افتتاح سجل للتعازي للشهيدة شيرين ابو عاقلة دعا الضمير الانساني الدولي وما بقي من المجتمع الدولي الحرالى كشف الحقائق و محاسبة الاحتلال و قال انه ان الاوان للخروج من دائرة ردود الفعل الانية الى العمل المدروس والواعي لتغيير الحقائق على الارض…
في مخيم جنين وبين اهله البواسل الذين قادوا الملحمة تلو الملحة انتهت رحلة شيرين مع الكاميرا والمصدح الذي سيفتقد صوتها الجريئ وشجاعتها النادرة , لم تكن ابو عاقلة التي جمعت جمال الصورة بجمال الكلمة والقيم الاخلاقية النبيلة لمهنة المتاعب و الموت مجرد صوت ينقل للعالم ما يحدث هناك على ما بقي من ارض فلسطين المنسية من خروقات وانتهاكات في ظل نظام عالمي متوحش بل كانت صوت فلسطين الذي اذا غاب شغل غيابه الجميع ..
“في الطريق الى جنين “..كانت اخر رسائل ابوعاقلة التي لبت بالامس نداء زميلتها جيفارا البديري التي تعذرعليها الانتقال الى جنين لتغطية عدوان اخر يستهدف اهلها , وربما تكون شيرين استشعرت الخطر وهي سبق لها أن اصيبت في اكثر من مناسبة بالرصاص المطاطي والغاز المشل للحركة و لكنها لم تتردد و لم تتراجع و هي التي كانت تعرف جيدا أن الموت قريب جدا …
لبت شيرين نداء الواجب ونداء القضية وارتقت الى صفوف خمسين شهيدا من الاعلاميين منذ سنة ال2000 لتضاف الى قائمة زملاء كثيرون سبقوها في نيل الشهادة من غزة الى الضفة و بينهم على سبيل الذكرلا الحصر أحمد أبوحسين و ياسر مرتجي ومعاذ عمارنة ونضال اشتية واحمد عريقات و طارق ايوب و اياد حلاق وغيرهم ممن لا تزال عائلاتهم و زملائهم ينتظرون عدالة تابى أن تاتي في اعتداءات اسرائيلية موثقة بالصوت والصورة كان ولا يزال العالم يقف عاجزا أمامها ..
جنين بالنسبة لشيرين ابوعاقلة اصيلة بيت لحم بالضفة الغربية كما دونت في السابق “ليست قصة عابرة في مسيرتي المهنية أو حتى في حياتي الشخصية. إنها المدينة التي يمكن أن ترفع معنوياتي وتساعدني على التحليق عاليا انها تجسد الروح الفلسطينية التي في بعض الأحيان ترتجف وتقع، لكنها تفوق كل التوقعات وتنهض لمتابعة رحلاتها وأحلامها”…

صحافيو العالم نعوا بالامس ايقونة الصحافة الفلسطينية , زميلها محمد دراغمة الاستاذ بجامعة بير زيت انهار امام الكاميرا وهو يتحدث عن خصالها و عن زميلة ستتفقدها الساحة الاعلامية …
طبعا كما في كل الجرائم سارعت سلطات الاحتلال الى الالتفاف على الجريمة و الترويج للرواية الاسرائيلية التي تنفي المسؤولية عن قواتها لتلقي بها على الفلسطينيين , ولكن كانت شهادات زملائها و كل من عاشوا على وقع الجريمة قاطعة . سبق للكيان الاسرائيلي ان حاول في اعقاب جريمة اغتيال الطفل محمد الدرة تحميل المسؤولية للفلسطينيين و اعتمد في ذلك خبراء غربيين للترويج للصورة و لكن فشلت كل المحاولات في طمس الحقيقة و تزويرها ..
لقد استهدفت شيرين برصاص اسرائيلي و هذه المرة لم يكن مطلوب ترهيبها أو تخويفها هذه المرة كان المطلوب تصفيتها حتى تبلغ الرسالة الجميع وان هذا مصير من تجرأ على كشف جرائم الاحتلال …بما يعني أنها جريمة لواد الحقيقة و تكميم الافواه و مصادرة الحقيقة المزعجة التي يمكن ان تحرج حكومة تل أبيب و تؤثر على صورة الكيان الاسرائيلي امام حلفائه في الغرب …
والاكيد أن حكومة بينيت العنصرية وحدها من يتحمل مسؤولية الجريمة البشعة التي لا تسقط بالتقادم ..
نعم يوم أمس كان يوما حزينا مثقلا بالجروح واللالام بل الاكيد انه ليس فينا من لم يهتز, وليس بيننا من لم يتأمل ويبكي رحيل الزميلة الفلسطينية شرين ابوعاقلة التي دخلت كل البيوت بالصوت والصورة لتشاركنا معاناة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال على مدى اكثرمن ربع قرن كانت شيرين و في مختلف المنابرالاعلامية التي انضمت اليها صوت فلسطين القوي …رحلت بعد عطاء كبير اكبر من مسيرتها التي امتدت على مدى ثلاثة عقود و لكن قبل الاوان و قبل ان يتحقق الحلم الفلسطيني …
شهادة زميلها السمودي، الذي تلقى رصاصة في الظهر اكد انه لم يكن في المنطقة سوى الصحفيين والجيش الإسرائيلي، وكان الأخير هو من أطلق النار”.كان قرابة الساعة السادسة صباحا كانت شيرين أبو عاقلة ضمن مجموعة من 7 صحفيين يغطون الاقتحام الإسرائيلي، لمخيم جنين في شمالي الضفة الغربية,,. كانوا يرتدون الخوذات و كان معهم كاميرات و سترات تحمل شعارصحافة…
جريمة اغتيال ابوعاقلة تاتي بعد ايام على اليوم العالمي لحرية الصحافة وصدور تقرير مراسلون بلا حدود الذي يتعاطى مع ممارسات الاحتلال ازاء الصحافة الفلسطينية بكثير من اللين والامبالاة ازاء التجاوزات الخطيرة وهي تاتي ايضا مع الاستعدادات لاحياء الذكرى ال74 للنكبة و قبل أيام على الزيارة المفترضة للرئيس الامريكي جو بايدن الى القدس الشرقية واعتزامه لقاء الرئيس الفلسطيني واعلان عودة المساعدات للفلسطينيين , وهي عملية تحمل ضمنيا دعوة للرئيس الامريكي بعدم المضي قدما في هذه الزيارة ..
-صوت فلسطين لن ينطفئ
كانت شيرين صوت فلسطين و ستبقى لان زملائها سيواصلون المعركة و لان الساحة الفلسطينية ولادة و قريبا سيسمع العالم عن ولادة الف شيرين و شيرين لحمل المشعل من اجل الحرية و الكرامة و السيادة على ارض فلسطين واستعادة الحقوق المشروعة التي اشتركت القوى الكبرى الداعمة للاحتلال في طمسها والسطو عليها .
طبعا سيكون من الغباء الاعتقاد ان سلطات الاحتلال يمكن ان تفتح تحقيقا جديا في الجريمة وقد اكدت مختلف التجارب على مدى عقود من الاحتلال أن التحقيات تبقى كلمة حق يراد بها باطل لتقديم صك البراءة لجيش الاحتلال تماما كما أنه سيكون من السذاجة ان نتوقع موقفا منددا او وقفة جرئية من الاعلام الاسرائيلي ازاء ما يحدث …و لكن عزاؤنا اليوم في هذا المصاب الجلل ان تكون الصدمة التي اصابت الجميع في اعقاب الجريمة الارهابية المروعة و كل الاصوات التي ارتفعت منددة بما حدث و القادمة من مختلف المنظمات الحقوقية و الدولية و المنظمات العربية و الاسلامية و الحكومات صحوة حقيقية و ليست مجرد ردة فعل فرضتها اللحظة لاستعادة التضامن العربية الانساني مفهومه و موقعه واستعادة السلطة الرابعة مكانتها و دورها في تسليط الاضواء على القضية الفلسطينية في المحافل الاقليمية والدولية و العودة لوضع الخروقات و التجاوزات الاسرائيلية تحت المجهر و تحميل المنظمات الحقوقية مسؤولياتها في محاسبة و ملاحقة الاحتلال …
بالامس هنأت وزارة وزارة الدفاع الأميركية صحيفة «نيويورك تايمز» على فوزها بجائزة «بوليتزر» تقديراً لتحقيقاتها غيرالمريحة ولكنها ضرورية حول المدنيين الذين قُتلوا في ضربات أميركية في العراق و سوريا و افغانستان..و لا نعرف ان كانت الصحيفة ستتجرأ يوما على كشف الحقائق و الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلي ..ولكن ما نعرفه ان هذا التنديد بجريمة الامس لا يجب ان يتوقف وان هذا التضامن مع عروس فلسطين أميرة المصدح يجب ان يستمر في المطالبة بانهاء الاحتلال ومحاسبة الجيش الاسرائيلي على انتهاكاته و جرائمه المصنفة بجرائم حرب ..

لم تكن جريمة اغتيال شيرين ابو عاقلة الصوت الذي اقتحم كل البيوت و الزميلة التي جمعتنا بها ندوات دولية و كانت تكشف للحضور حجم المعاناة و العراقيل و الضغوطات اليومية و الاستفزازات على الحدود و المعابر لمنع نقل الحقيقة للعالم لم تكن الاولى و لن تكون حتما الاخيرة التي تصدمنا , ومرة اخرى جد انفسنا نطرح نفس التساؤلات الى متى تبقى هذه الاعدامات بدون محاسبة ؟ الى متى يستمر استنزاف حياة الفلسطينيين على مرأى ومسمع من كل العالم؟
اخيرا وليس اخرا وعلى أمل أن تكون هذه الجريمة التي استهدفت شيرين ابو عاقلة وهي في عز العطاء منعرجا في المشهد الفلسطيني لتوحيد الصفوف و استعادة البوصلة المفقودة للتصدي للاحتلال وكسرشوكته , سيكون لزاما ان نطالب بتاجيل اعلان الحداد على البطلة الموؤودة و عدم تنظيم سرادق العزاء قبل الانتصارلها امام المحاكم الدولية لملاحقة الجناة ..
نعم لم يكن من الهين ان نجد الكلمات لنعى انسانة قبل كل شيئ مهما كانت ديانتها و هويتها كانت تتطلع للحياة و الحرية والكرامة ,و أن ننعى زميلة عرفناها عن بعد قبل ان نلتقيها ونتابع مسيرتها ولا نملك الا ان ندعو لها و نقول مرة اخرى ..وداعا شيرين ابو عاقلة لروحك السلام صورتك كما مواقفك و دفاعك عن الوطن باقية تتوارثها الاجيال حتى بعد موت الكبار و لا ننسى ايضا ان نتمنى لزميلهاعلي السمودي الذي اصيب برصاص في الظهر شفاء عاجلا و عودة الى ارض الميدان …ونحن نخط هذه الاسطر اعلن الاتحاد الدولي للصحفيين انه سيتولى احالة جريمة اغتيال ابو عاقلة على الجنائية الدولية …خطوة مهمة و لكنها ليست هينة و هي معركة حاسمة قانونية و لكن ايضا انسانية و سياسية و اخلاقية لوضع حد للهروب من العقاب …

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.