كيف تطور رثاء المدن في العراق منذ العهد السومري؟

 

يعود أدب رثاء المدن في العراق إلى آلاف السنين، حيث أدت الصراعات المتوالية التي نشبت عبر التاريخ إلى دمار العديد من المدن، مما ألهم الأدباء والشعراء للوقوف على أطلالها ورثائها منذ عهد السومريين مرورا بسقوط بغداد على يد المغول وحتى يومنا الحاضر.

وتجلى فن رثاء المدن ضمن فنون الشعر في بلاد الرافدين، بعد الكارثة التي لحقت ببلاد سومر منذ أكثر من 4 آلاف عام واختفاء حضارتهم التي تعد من أقدم 3 حضارات على الأرض، بحسب الدكتورة جمانة محمد الدليمي المختصة بالأدب العربي القديم.

وتصف الدليمي رثاء المدن بأنه الركيزة الأساسية في الطقوس الشعائرية في بلاد الرافدين، ويعود ذلك إلى نحو ألفي سنة، وبدأ على هيأة فن أدبي يدعى “بالاك” يقوم به كاهن “كالو” ومعه جوقة من المنشدين على أنغام آلة “بالاك”.

وفي أحد النصوص الأدبية تظهر مرثية “بالاك” موجهة إلى معبد عشتار في بابل، وتصور دمار المعبد لتتجلى من خلالها صور المعابد المهجورة والأبنية المقدسة في مشهد يختزل الصور المتكررة للدمار الذي تعرضت له بلاد الرافدين نتيجة سلسلة متتالية من الاعتداءات.

وتشير إلى أن شعر الرثاء برع في العهد السومري والأكدي في تصوير مشاهد الدمار وانهيار المدن، من خلال الرموز التي أضفت على النصوص خصوصية ومنحتها ثراء فكريا وجماليا، وقد استعانوا في تشكيل صورهم الرمزية بعناصر الطبيعة.

ويعد الثعلب من أهم الرموز التي أثرت النصوص الشعرية في أدب بلاد الرافدين في ذلك العهد، الذي وظفه الشعراء للدلالة على الدمار والخراب الذي لحق بالمدن، وارتسم هذا الحيوان رمزا للدمار من خلال غيابه، فالثعالب لا تألف المدن المدمرة. وبالمقابل كان حضور الأفعى رمزا لخراب المدن، لأن الثعابين تستقر في المدن الخربة.

وتلفت الدليمي إلى براعة الشعراء في استخدام اللغة لوصف ما حل بالمدن بشكل دقيق جدا، مما جعل فن رثاء المدن فنا شعبيا شائعا بالأدب السومري، واستمر بهذا الشكل وبهذه القوة والتأثير، إلى أن أخذ يتلاشى شيئا فشيئا حتى بات حضوره معدوما، حاله مثل باقي الحضارات والثقافات التي ظهرت وسجلت حضورها في عمق التاريخ ومن ثم تلاشت واندثرت

من جانبها تقول أستاذة البلاغة والأدب العربي الإسلامي الدكتورة أسماء سعود الخطاب إنه لا شك أن بكاء الديار والآثار يمثل فيما يمثل الجذور الأولى لتعلق الإنسان بالوطن، إذ تعد المدينة من ركائز الوطن ومكوناته.

وتبين الخطاب أن شعر رثاء المدن كان تملأه مشاعر الحزن لكنه أيضا يمتاز بالحماسة والقوة، كما أنه يشعل الحماس لدى شباب المسلمين آنذاك للدفاع عن دينهم حتى الموت، دفاعا يقوم على البأس والبسالة والاستطالة.

وترى بأنه لا يوجد اختلاف كبير في رثاء المدن عن شعر رثاء الشخصيات، فهو نابع عن شعور وتجربة حزينة وعاطفة جياشة، وهو مليء بالألم واللوعة والبكاء والترحم، والدعوة للعودة إلى الله والوحدة ولم الشمل.

وعن تطور أدب رثاء المدن العصر الحالي، تبين الباحثة في الأدب العربي الحديث فاتن غانم فتحي بأن شعر رثاء المدن برز في العصر العباسي إثر وقوع الاضطرابات السياسية وما تبعها من خراب للمدن، لتتوالى القصائد بعده ترثي المدن التي أسقطها المغول، وأهمها بغداد بوصفها رمزا للخلافة العباسية، ومن أشهر من نظم شعرا في رثاء المدن آنذاك الشاعر ابن الرومي، وشمس الدين الكوفي.

وتعرف الباحثة هذا بأنه لون من التعبير طور عن رثاء الأشخاص الذي يعرف بندب الميت، والبكاء عليه، وتعداد فضائله بعبارات شجية وألفاظ محزنة، بعد أن حل بالمدن الخراب، والطابع الغالب عليه، يتمثل بالأسى العميق وبصدق العاطفة الناجمة عن عمق الشعور بالأسى والحزن والمرارة فضلا عن التصوير الواقعي لحال الساكنين في المدن المنكوبة بالعدوان ونقل تجاربهم المريرة.

وتنوه إلى أن رثاء المدن أخذ بالتطور، فبرز بالشعر العراقي الحديث بوصفه لونا منبثا في ثنيات القصيدة، عبر الشاعر فيه عن موقفه الرافض للعدوان، ولسلطته الجائرة على المكان وأهله. وقد كان للمدن العراقية حضور واسع في القصائد الشعرية الحديثة وأبرزها بغداد، البصرة، الموصل، الفاو، بابل، الفلوجة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.