أخطاء فوق تكتيكية في الحرب الروسية

 

بقلم/عبد الخالق فاروق ..

 

يرتبط تقييم الأخطاء في العمل العسكري بمجموعة من الارتباطات الفاعلة بين الأهداف المتوخاة والنتائج المتحققة.

لقد انطلقت الخطة الروسية من مجموعة معطيات، وحددت لنفسها مجموعة من الأهداف، بعضها معلَن للجميع، وبعضها الآخر غير معلَن، كشفته خريطة سير العمليات العسكرية من دون أن تبوح به ألسنة رجال السياسة والحكم في روسيا

أعلنت القيادة الروسية، منذ اللحظة الأولى للعمل العسكري في الـ24 من شباط/فبراير 2022، عدة أهداف لهذه الحرب، لكنها للحق لم تعلن كل أهدافها. وهنا نستطيع تحديد الأهداف الروسية من هذا التدخل العسكري على النحو التالي:

1- حماية وضمان سلامة شعبَي مقاطعتي دونتيسك ولوغانسك، اللتين أعلنتا انفصالهما عن الدولة الأوكرانية بعد الانقلاب الدموي في كييف عام 2014، وإلزام حكومة أوكرانيا باحترام هذا الاستقلال، والتسليم باستعادة روسيا لشبه جزيرة القرم الذي تم عام 2014. وتشكّل هذه المناطق الثلاث (دونيتسك ولوغانسك وشبه جزيرة القرم) نحو خُمس مساحة جمهورية أوكرانيا، البالغة 603 آلاف كيلومتر مربع. هذا علاوة على ما تمثله من ثقل اقتصادي هائل.

2- الضرب والتفكيك للآلة العسكرية لأوكرانيا، التي تأتمر بأوامر القيادة النازية في هذا البلد

3- ضمان حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف الناتو، أو عدم تشكيل أي تهديد في الحاضر أو المستقبل لروسيا

4- الهدف غير المعلن لروسيا، والذي كشفه خط سير العمليات الحربية طوال الأيام الماضية من الحرب، هو إجراء تغيير جيو – سياسي في خريطة أوكرانيا، وقطع أي صلة لها ببحر أزوف والبحر الأسود؛ أي تصبح أوكرانيا دولة حبيسة، حتى تنتهي إلى الأبد التحرشات الأطلسية بدولة روسيا من خلال هذين البحرين من ناحية، وضمان تواصل بحري بين دونتيسك ولوغانسك من خلال تحرير ميناء ماريوبل الحيوي، والاستيلاء، في خطوة تالية، على ميناء أوديسا ومنطقتها المطلَّين على البحر الأسود. ومن دون تحرير منطقة أوديسا ومينائها، تصبح الأهداف الاستراتيجية الروسية للحرب في خطر حقيقي، ولا نقول هزيمة

5- ضمان شبه جزيرة القرم وتحريرها من الحصار المضروب حولها، مائياً ولوجيستياً، منذ عام 2014، بمعرفة القوات والسلطات الأوكرانية، عبر تحرير مقاطعة خيرسون.

وخلال هذه العملية العسكرية الواسعة النطاق تكشَّفت خفايا المخاطر التي كانت تعتملها التحالفات السرية والعلنية بين القيادات الأوكرانية والبنتاغون وحلف الناتو، ولعلّ أخطرها ما تكشَّفَ بشأن وجود مراكز وبرامج للأبحاث البيولوجية في هذا البلد.

ثالثاً: أخطاء فوق تكتيكية في العمليات الحربية الروسية

ترتبط عملية تقييم الأخطاء أو النجاحات في العمل العسكري بمجموعة من الارتباطات الفاعلة بين الأهداف المرغوبة للعمل العسكري من ناحية، والنتائج المتحققة فعلاً على الأرض، من ناحية ثانية

وارتباطاً بهدف تحطيم الآلة العسكرية الأوكرانية،  وضمان فعّالية خطة استكمال تحرير مقاطعتي دونتيسك ولوغانسك، قامت القوات العسكرية الروسية، منذ اللحظة الأولى، بفتح محاور متعددة وواسعة من الشمال والشرق (خاركوف، سومي، تشيرنهيف)، ومن الجنوب (ميكولايف، كيروفوغراد، خيرسون، زاباروجيا)، وصولاً إلى بعض مقاطعات الغرب الأوكراني (ريفني، لفيف، ترنوبل، لوتسك)، سواء بموجات الغارات الجوية، والضربات الصاروخية المركَّزة، أو بواسطة فِرَق المشاة، والتي زادت على سبع فِرَق مشاة، واستهدفت من وراء هذا الانتشار الواسع تحقيق عدة أهداف:  

الأول: تشتيت الجهد الدفاعي الأوكراني في أكثر من اتجاه ومحور، أو ما يُسَمّى في العلم العسكري “معركة التثبيت للخصم”، وبالتالي تسهيل مهمة قوات دونتسيك ولوغانسك، المدعومة ببعض الكتائب الروسية، من تحرير هاتين المقاطعتين تماماُ، ووصولها إلى حدودهما الغربية الإدارية التي سبق أن سيطرت القوات الأوكرانية منذ عام 2014 على بعض مساحاتها.

الثاني: التمكّن، من خلال هذا الانتشار الواسع، من تحديد مواقع انتشار القوات الأوكرانية ووجودها، تمهيداً لضربها وتحطيمها عبر كل الوسائل المتاحة، سواء الجوية أو الصاروخية، أو من خلال قوات المشاة المدعومة بالدبابات الحديثة، وهذا ما حدث فعلاً

الثالث: حصار المدن الأوكرانية الكبرى من دون اقتحامها، تجنباً للخسائر في القوات الروسية من ناحية، والتخفيف من الأثر السلبي، نفسياً وسياسياً، لدى قطاعات واسعة من السكان الأوكران، أو من القوميات الأخرى (مثل البيلاروس) في حال اقتحام المدن، وما يستتبعه عادة من عمليات تدمير واسعة النطاق .

والآن، روسيا تواجه تحديات مصيرية، والعالم من بعدها يقف متأثراً ومنتظراً نتائج هذه المعركة وتأثيراتها في المشهد العالمي كله، وفي نمط العلاقات الدولية في المستقبل المنظور. ومرة أخرى، كما قال القائد الروسي الشهير، فلاديمير إليتش لينين، عشية ثورة تشرين الأول/أكتوبر 1917، جملته الشهيرة “الآن… أو إلى الأبد“. 

 

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.