المقابر الجماعية .. شاهد حي على أبشع جرائم البعث الصدامي

 

بألم بالغ، يستذكر العراقيون في مثل هذه الأيام من كل عام، أفظع جرائم نظام البعث الصدامي البائد، التي ارتكبها ضد أبناء المكون الشيعي الأكبر، عندما نفذ بحقهم إعدامات بالجملة قبل أن يدفنهم جلاوزة صدام داخل مقابر جماعية، أصبحت شاهدًا حقيقيًا على إجرام النظم البعثي.

وشهد العراق منذ عام 1980 سلسلة من النزاعات. وتقول السلطات إنه بين عامي 1980 و1990، فقد أكثر من مليون شخص لا يعرف مصير غالبيتهم في ظل نظام صدام الذي سقط عام 2003.

وفي كل مرة تؤخذ عينات الحمض النووي للضحايا من المقابر الجماعية، لتُقارن فيما بعد بعينات دم أحياء من عائلاتهم، ومطابقتها، لمعرفة هويات الضحايا.

ومن صدام الطاغية إلى “داعش”، هناك حكايات متشابهة في المضمون، حيث كانت سبايكر حاضرة، كجريمة لا يمكن اختزالها باستشهاد 1700 شاب.

جريمة كبرى، تمتد من عمق تاريخ الاعتراض على الرسالات السماوية، وصراع الحياة الإنسانية والموت بوحشية، تصاعدت كالبركان الذي يغلي في صدور الغل وغلو التطرف، الى أن تمحورت بذروة هذا الصراع الأزلي، وإنتاج جريمة كبرى بدم بارد.شباب ساقتهم تخرصات السياسة، وجلبوا من الحرمان؛ ليوضعوا في فم الوحوش، وفي منطقة غير مستقرة، حتى يُساقوا الى أقدارهم بلا سلاح ولا وسيلة اتصال ولا هويات؟!

جريمة من سلسة جرائم، لم تكن وليدة لحظة او خطأ إدراك أو ردة فعل آنية، وجذورها في عمق زمن ويلات الانحراف وتقادم التطرف وتحريف الإسلام، وتراكم التشبع بأنظمة القمع والترهيب، وتطبيع الشعوب للانحناء بالحديد والنار، واستشراء ظاهرة نهب الدولة، وبلورة إمكانياتها، الى أنظمة تؤدي الى حكم العائلة، ونخبة مختارة تقطع رأس من يخالفها. المكان والزمان في قصور تم بناؤها، وشيدت عالياً؛ على أثر شعب يدفن في مقابر جماعية، وبحكم من لا يقبل التحرر وممارسة الحقوق، ورفض مبدأ الأغلبية والرأي الآخر، ويقوم بسرقة إنجازات الشعوب، وتبذير ممتلكاته، الى درجة تعميم الفساد وعدوانية الدولة.

وفي غضون ذلك، عثر في محافظة النجف مطلع الأسبوع الحالي، على مقبرة جماعية تعود إلى تسعينيات القرن العشرين، أخرج منها 15 جثماناً من أصل 100 يعتقد أنها دفنت فيها.

وعثر على المقبرة الجماعية أثناء انشاء مجمع سكني جنوب مدينة النجف في شهر نيسان، ويعود تاريخها إلى مرحلة الانتفاضة الشعبانية في العام 1991 ضدّ الطاغية صدّام والتي أسفرت عن استشهاد نحو 100 ألف شخص.

وقال عبد الإله النائي مدير مؤسسة الشهداء وهي مؤسسة حكومية معنية بفتح المقابر الجماعية إن “في هذه المقبرة أكثر من مئة رفات. هذا عدد تقريبي ويمكن أن يكون العدد أكثر باعتبار أن مسرح الجريمة كبير جداً”.

وأضاف خلال إحياء اليوم الوطني للمقابر الجماعية أن هذه المقبرة “تعود إلى ذكرى الانتفاضة الشعبانية في العام 1991 … العشرات من المقابر الجماعية لم تكتشف حتى الآن”.

ودعت الهيأة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة إلى إنصاف عوائل ضحايا المقابر الجماعية التي ارتكبها النظام السابق.

وقال بيان للهيأة بمناسبة اليوم الوطني للمقابر الجماعية الذي وافق يوم الاثنين الماضي إنها تستذكر بحزن وألم ذكرى اكتشاف أول مقبرة جماعية الضحايا السابق والتي اكتشفت في منطقة المحاويل في محافظة بابل.

واعتبر البيان أن المقابر الجماعية التي ارتكبها النظام السابق من جرائم الإبادة الجماعية يعاقب عليها القانون الدولي.

ودعا بيان الهيأة المنظمات الدولية وممثلي الرأي العام العالمي وجمعيات حقوق الإنسان أن تقف وبشكل جدي مع الشعب العراقي وتقدم العون اللازم له من أجل التصدي لتركة النظام السابق.

وثمن البيان ما وصفه بالدور المسؤول الذي تبناه مجلس الوزراء  في اختيار يوم السادس عشر من آيار من كل عام يوما وطنيا لاستذكار شهداء المقابر الجماعية، ويأتي اختيار يوم السادس عشر من أيار على خلفية العثور على أول مقبرة جماعية كبرى في قضاء المحاويل التابع لمحافظة بابل في 16/آيار/2003.

وأوضح أن هناك ما يقارب 265 مقبرة تضم الكثير من رفات الشيوخ والشباب والأطفال والنساء.

كما دعا البيان الجميع إلى القيام بما يتوجب عليهم من مسؤولية في إنصاف المظلومين والمضطهدين ممن غيبوا واعتقلوا وشردوا من العراق بسبب سياسات النظام السابق من أجل بناء تجربة جديدة تقوم على أساس أن الإنسان قيمة عليا لايجوز لكائن من كان المساس بها، حسب البيان.

جدير بالذكر أنه تم القبض على صدام في سرداب حيث كان يختبئ، على يد القوات الأمريكية في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2003م ، وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا قرارها القاضي بالإعدام شنقا على صدام بسبب الجرائم التي ارتكبها من ضمنها جرائم الابادة الجماعية الوحشية بحق اهالي بلدة الدجيل ونفذ حكم الإعدام به في 30 ديسمبر/كانون الأول عام 2006.

ولطالما كان يحلم المحرومون والمعذبون باليوم الذي تقتص فيه العدالة من الطاغية، وتمنت قدومه الثكالى والأرامل واليتامى في هذه البلاد وانتظرته عدالة الأرض بعد ان حددته عدالة السماء، انه يوم القصاص العادل من ذلك الديكتاتور الذي اذاق الشعب العراقي العذاب تلو العذاب ولم يدخر جهدا في فعل كل ما من شأنه ان يجعل من ارض العراق ارض خراب ودمار وساحة للموت ودولة للحرمان والفقر والتشريد بأساليب ما انزل الله بها من سلطان.

ذلك الحاكم الذي حكم العراق بالحديد والنار لمدة ما يقارب من 35 عاما ثم ما لبث أن أتى يومه شأنه شأن أسلافه من طواغيت الزمان ومجرمي العالم لينفذ به قرار الشعب بعد محاكمة عادلة وفرت له فيها كل الحقوق القانونية مما لم يكن يسمح بتوفيره لضحاياه من ابناء هذا الشعب المظلوم وليذهب تلحقه لعنة اللاعنين من العراقيين والعرب والمسلمين بل من كل شعوب العالم الشريفة.

وما أن نفذ الحكم على صدام بالإعدام شنقاً في فجر يوم 30/12/2006 حتى انطلقت بعض الضمائر العربية «الغائبة عن حقوق المظلومين» تدافع وتتباكى، مرة بحجة عدم مشروعية المحاكمة، وأخرى بدعوى أن المحاكمة في الأصل مسرحية، وما هي إلا موقف سياسي وغيرها من المواقف المشينة بحق الملايين من ابناء هذا الشعب.

إن محاكمة صدام التي استمرت لأكثر من ثلاثة اعوام هي إنهاء لمرحلة من الظلم والطغيان ورسالة للقادة الدكتاتورين والطغاة الذين يقتلون شعوبهم، وانتصار لعدالة السماء، ومواساة لدماء أطفال المقابر الجماعية

واستحق صدام الإعدام كفكرة، ففي موته لا يتحقق قتل طاغية وحسب، بل إن إعدامه إعدام لطابور من كتاب ومثقفين وساسة، ينطبق عليهم بحق وصف شاهدي الزور، الذين يرحبون بالطاغية نكاية بالغرب مهما فعل الطاغية بأبناء وطنه وجلدته. فمن يقود الناس ظلما حق لرعيته الفرح برحيله، كما يحق للرعية بكاء الحاكم العادل.

وفي إعدام صدام رسالة، ووعيد شديد، لطغاة ما يزال بعضهم يرفل بسلام على الرغم من أن أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء، وشعوبهم ما تزال تئن تحت وطأة الظلم والقمع. إعدامه رسالة لكل هؤلاء مفادها «بشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.