منحوتات رضا فرحان.. تجسيدٌ للصراع الأزلي بين الفكر والزمن

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد رحيم يوسف أن منحوتات الفنان التشكيلي رضا فرحان التي نفذها بمادة البرونز والتي يجيد التعامل معها باحترافية عالية منذ زمن ليس بالقليل هي تجسيد للصراع الازلي بين الفكر والزمن.

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي” :في كل تجربة من تجاربه النحتية المتعددة ، يحرص الفنان التشكيلي رضا فرحان على طرح الجديد والمدهش عبر ما يمتلكه من رؤى فنية ، وقدرات ادائية في وجه متلقيه وهو يدعوه لمحاورة فكرية جمالية اثناء التلقي ، وذلك ما لمسته شخصيا .

وأضاف :في هذه العجالة الكتابية احاول تسليط الضوء على تجربة اطلق عليها الكراسي من خلال عملين اثنين ، من هذه التجربة التي اشتملت على عدد ليس بالقليل من الاعمال التي نفذها بمادة البرونز والتي يجيد التعامل معها باحترافية عالية منذ زمن ليس بالقليل .

وتابع: منذ أن صنعه الانسان للمرة الاولى، كإحدى وسائل الراحة، وارتباطه بعد ذلك بالمكانة كنوع من التميز، تطورت صناعته بمراحل عديدة شكليا، ليتحول في وقتنا الحاضر كجزء أساسي في معظم الأماكن، ليحتل قيمة مكانية في مختلف مناحي الحياة باعتباره قطعة اثاث لا غنى عنها، دون ان يتخلى عن قيمته الاعتبارية التي ترتبط بمكانة الاشخاص في مختلف العصور.

وبين :أن عمل الفنان التشكيلي رضا فرحان على تجربة نحتية تضاف لتجاربه المتميزة والتي اطلق عليها الكراسي ، وثيمة الكراسي التي اصبحت قاسما مشتركا لجميع الاعمال النحتية المنفذة بمادة البرونز ، ومن الواضح في هذه التجربة انه يركز على الكرسي بالدرجة الاساس، قبل التركيز على المشخصات النحتية ، التي تجلس على تلك الكراسي ، مستفزا المتلقي في عملية البحث عن الدلالات المبثوثة في الاعمال .

وأوضح : أن رضا الذي حول الكرسي الذي يعج بالحركة على الرغم من سكونية الاعمال المنفذة وثبات الكرسي ، الى وسيط لبث أفكاره ورؤاه الجمالية من خلال منحه للكرسي العديد من الصفات الشكلية ، ليحوله الى داعم جمالي مساهم في عملية البث ، باعتباره نقطة ارتكاز للانطلاق باتجاه المشخصات التي شبعها بدلالات رمزية كبيرة ،

وواصل :لعل من المهم جدا ان يكون لأي الفنان فهم ومعرفة تامة للظروف التاريخية لأي عمل نحتي يتصدى لتنفيذه استدعاءً من التاريخ السحيق ، وهذا ما فعله بشخصية الحلاج الذي كان مثارا للجدل الواسع عبر التاريخ بين ناقم مكفر له أو مريد متبع لخطاه ، حتى ان الشيخ عبد القادر الجيلاني قال ( تعثر الحلاج ولم يجد من يأخذ بيديه ولو ادركته لأخذت بيديه ) فرضا فرحان في العمل الذي عنونه ( الحلاج ) والذي جسد فيه شخصية الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاج المقتول ببغداد في القرن الرابع الهجري ، والذي كان مادة خصبة في الكثير من الأعمال الابداعية ، ركز فرحان على رجلي المشخص المتقاطعتين بهدوء واسترخاء شديدين ، بما يدُلُ على هدوء الموت ، وندامة المنتصر المغيب المقتول ، وهي واقعة تكررت وتتكرر على مدار العصور والازمنة والديانات ، بين من يحاول ان يفهم ذاته من خلال محاولة فهم ماهية الرب ، وبين من يدعي انتسابه للرب كابن بار ، ربما استلهاما لبيتي الشعر الشهيرين للحلاج

( إِلى حَتفي سَعى قَدَمي

أَرى قَدَمي أَراقَ دَمي

فَـمـا أَنَـفَـكُّ مِن نَدَمِ

وَهانَ دَمي فَها نَدَمي )

وواصل : ان الفنان تعمد ان يوحي بان الكرسي يتلاحم مع المشخص في كل غير منفصل ، من خلال ثبات وسكونية الكرسي ، حتى عند النظر اليه من جميع الجهات ، تاكيدا على ان الموت هو السيد المطاع عبر الازمنة والعصور ، وتلك الكتلة البرونزية المنفذة التي وازنها الفنان مع الفراغ بطريقة مدهشة ، دلالة على امتلاكه رؤية فكرية فنية جمالية ، مع ملاحظة ان القائمة الخلفية للكرسي تخلخل ذلك الثبات ، لتعمده جعلها تتجه الى الخلف بالضد من ذلك الثبات ، لكنه في العمل الاخر وهو (المرأة) عمد الى وضعها على كرسي هزاز كان يتقاطع كليا مع جسد المرأة الذي أراد الايحاء باسترخائها وهي تجلس على ذلك الكرسي ، لكن جلوسها على الكرسي الهزاز وضح بما لا يقبل الشك ، عملية التناقض بين الحياة كحركة مستديمة والموت بثباته الازلي ، وكما في تمثال الحلاج ابتدأ بناء المشخص من منطقة القدمين صعودا ، غير انه هنا جعل الجسد اكثر انبساطا ، لوضعه صفيحتين نحاسيتين مثلت معظم أجزاء الجسد .

وختم :إن طريقة تنفيذ العملين بالشكل المستطيل هندسيا توحي الى قلق متكرر مستديم وانعدام ثبات بحسب الدكتورة سوزان ديلينجر ، هذا القلق الذي يفضي الى الابداع لدى الفنان الذي يمارس التجريب بصورة مستمرة ، والمستطيل القائم الذي سيمدده لاحقا في اعماله ، تماشيا مع حاجاته الجمالية والفنية ابداعيا ، ومن الملاحظ ان الفنان تعمد وضع نوعا من التباين في الكتلين المنفذتين في الحجم .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.