كيف كشف الإمام الكاظم (ع) انحراف السلطة بـ”العزلة”؟

اضطلع الإمام الكاظم (ع) بدور الإمامة بعد عشرين سنة من ولادته، وبعد رحيل والده الإمام الصادق (ع) إلى ربِّه جلَّ وعلا وكان ذلك سنة ثمانٍ وأربعين ومائة للهجرة النبويَّة، وذلك في أيام ملك أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني ثم بعد قرابة التسع أو العشر سنوات من حين تسنُّمه لمنصب الإمامة تُوفي المنصور العباسي وتولَّى بعده ابنُه المهدي وبقي مدة عشر سنوات وشهراً ثم جاء بعده الهادي العباسي ولم يلبث في الملك سوى سنة واحدة وشهر ثم تولَّى بعده سدةَ الحكم هارون العباسي وبقي في الملك خمساً وعشرين سنة استُشهد الإمام (ع) في سجنه بعد خمس عشرة سنة من ملكه وكان قد بقي في السجن أربع سنوات حيث بدأ حبسه في العشر الأواخر من شهر شوال سنة تسع وسبعين ومائة واستُشهد في سجن السندي بن شاهك في بغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة للهجرة.
كانت الفترة التي اضطلع فيها الإمام (ع) بدور الإمامة هي أشدُّ الفترات قسوةً على أهل البيت (ع) وشيعتهم إبَّان العصر العباسي حيث انَّ الدولة العباسية قد بلغت في هذه المرحلة أوجَ قوتها حيث كانت تبسط هيمنتها على شرق البلاد الإسلامية وغربها فكان نفوذها يتصل بتخوم أوروبا والكثير من بلاد أفريقيا وقارة آسيا.
ففي هذه المرحلة لم يكن يؤرِّقهم من شيءٍ سوى الشيعة والثورات العلوية التي كانت تخرج عليهم بين فينةٍ وأخرى، وكان المتَّهم الأكبر بتمويلهم وتحريضهم هو الإمام الكاظم (ع) نظراً لكونه أكثر العلويين وجاهةً وأتباعاً، فقد كانت قواعده الشعبية منتشرة في شرق البلاد الإسلامية وغربها خصوصاً في العراق وفي خراسان وهما أهم الحواضر الإسلامية آنذاك وكانت تُجبى إليه الأموال والأخماس من كلِّ مكان، وكان له وكلاء في أكثر الحواضر الإسلامية حتى انَّ العديد من الوشاة كانوا يقولون لهارون إنَّ في البلاد الإسلامية خليفتين أحدهما في العراق والآخر في الحجاز وهو الإمام موسى بن جعفر (ع).
وقد سُجن الإمام (ع) في هذه المرحلة مراتٍ عديدة إلا انَّ سجنه لم يكن يطول، وقد بذل هارون جهوداً حثيثة في سبيل إغتيال الإمام (ع) إلا انَّ محاولاته كانت تبوء بالفشل تارةً بشكل إعجازي وأخرى بتمنُّع القادة السياسيين من إنفاذ أوامر هرون كما حدث ذلك حين أمر عيسى بن جعفر العباسي واليه على البصرة، وكذلك حينما أمر الفضل بن الربيع وبعده الفضل بن يحيى البرمكي حيث امتنع أشدَّ الإمتناع وهدَّد بإطلاق سراح الإمام (ع) إنْ لم يخرجه من عهدته، وحينما غضب هارون تدخل البرامكة -الذين كان لهم نفوذ واسع في الدولة العباسية آنذاك- لدرء ما كاد يقع من فتنة.
بعد ذلك أُخذ الإمام (ع) إلى سجن السندي بن شاهك أحد وزراء هارون العباسي وكان رجلاً غشوماً شديد النُصب والعداء لأهل البيت (ع) وفي سجنه تمَّت تصفية الإمام (ع) بالسُم بعد انْ كان قد ضيَّق عليه أشدَّ التضييق، وحبسه في طامورةٍ مظلمة وكبَّله بأغلالٍ تزن تسعة أرطال فكان يصلَّي وينام حين ينام بها.
وكان قبل فترة سجنه كثيراً ما كانت داره تُكبس ويتمُّ تفتيشها وسلب ما كان فيها حتى بلغ الأمر أنَّ أحد قادة هرون أشعل النار في دار الإمام (ع) لإفزاعه ثم أصرَّ على تمكين جنوده من سلب العلويات وبعد أنْ أبى الإمام (ع) ذلك قَبِل من الإمام (ع) انْ يقوم بجمع كلِّ ما كان عليهنَّ من حُليٍّ بل ومقانع.
وفي هذه المرحلة امتئلت سجون العباسيين من الشيعة والعلويين وبين الفينة والأخرى يقومون بتصفية العديد منهم حتى انَّ حميد بن قحطبة أحد القادة العسكريين ذكر انَّه قتل من السجناء في ليلةٍ واحدة ستين علوياً بين شابٍ وكهلٍ وشيخ.
وامتدَّ زمنُ إمامة الإمام الكاظم (ع) إلى خمسٍ وثلاثين سنة كان يمارس فيه دور التهذيب والتربية للأمُّة على اختلاف مشاربها ومذاهبها، فكان وعظه وإرشاداته وحكمه التي كان يُلقيها في مجلسه وفي المسجد النبوي وفي المحافل التي كان يحضرها وفي موسم الحج تجدُ صدىً واسعاً في الحواضر الإسلامية بعد انْ يتناقلها الركبان والمسافرون ويبثُّها وكلاؤه وتلامذتُه الذين كان لهم حضورٌ واسع في عموم البلاد الإسلامية.
كما انَّه احتضن بعد رحيل أبيه (ع) تلامذته الذين كانوا يربون على الأربعة آلاف رجل فكان (ع) يُملي عليهم التفسير والفقه وأصول المعارف الإسلامية، فكانوا يدوِّنون ما يسمعونه منه في الفقه والعقيدة والسيرة والسنن والآداب والتفسير والحكم والمواعظ.
حتى روى ابن طاووس بسنده انَّ أصحاب الإمام الكاظم (ع) كانوا يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس فإذا نطق بكلمة أو أفتى في نازلة بادروا إلى تسجيل ذلك.
ثم إنَّ المرحلة التي اضطلع فيها الإمام (ع) بدور الإمامة تميَّزت بظهور الكثير من المذاهب الفقهية والمذاهب الكلامية.
فثمة مدرسة الرأي التي كان لها حضورٌ واسع في العراق ومدرسة الحديث يقودها مالك بن أنس ومدارس أخرى في الفقه وسطاً بين هاتين المدرستين، وكذلك كان للمذاهب الكلامية رواجٌ واسع كمذهب المعتزلة والأشاعرة والمُرجِئة والقدرية وغيرهم.
وقد تصدَّى الإمام (ع) لتحصين قواعده من آثار هذه المذاهب كما تصدَّى هو وتلامذتُه لمناظرة روَّاد هذه المذاهب في مجلسه تارةً وعلى ملأٍ من الناس او العلماء تارةً أخرى، وقد كان بعضهم يعترف له بخطئه، ويُحجم الآخرون عن مقارعة حججه وبيِّاناته.
وفي هذه المرحلة ونظرًا للانفتاح على الترجمة ودخول الكثير من الشعوب تحت نفوذ الدولة الإسلامية انتشرت في الوسط الإسلامي الكثير من الشبهات الإلحادية والأفكار والمناوئة للدين الإسلامي فتصدَّى الإمام (ع) وتلامذته لمعالجة هذه الشبهات وتفنيد ما كان يُعدُّ من المعضلات الفكريَّة والعقائديَّة، وقد وصلت لنا العديد من مناظراته وإجاباته وأحاديثه في ذلك.
هذا ما يتَّصل بدوره الفكري والتوعوي والذي استطاع من خلاله التعريف بالرؤية الصحيحة والناصعة للدين الإسلامي والمذهب الحق.
وأمَّا ما يتصل بدوره السياسي فقد اتَّخذ أسلوب القطيعة مع الدولة ليؤصِّل لما بدأ في تأصيله أئمة أهل البيت (ع) الذين سبقوه حيث أنَّ الدولة الأموية وكذلك العباسية بذلتا جهوداً مضنيةً لغرض إقناع الأُمة بأنَّ الإسلام مُمثَّلٌ فيهم وإنَّ ما يُروِّجون له وما يمارسونه هو الإسلام الحقيقي إلا أنَّ قطيعة أهل البيت (ع) فوَّت عليهم هذا الغرض، وذلك نظرًا لما يُمثله أهل البيت (ع) في وجدان المجتمع الإسلامي، فقطيعتهم للسلطة يعدُّ تعبيرًا صارخًا في وعي المجتمع الإسلامي عن إنحراف هذه السلطة عن الإسلام.
ثم إنَّ الإمام (ع) لم يكن يكتفي بالاعتزال عن السلطة العباسية بل كان يُصرِّح علنًا تارةً وسرًا تارةً أخرى عن انحرافها عن خطِّ رسول الله (ص) وكان كثيرًا ما يُؤكِّد لأصحابه وشيعته على حرمة التعامل معها حتى في بناء مسجد، وقد ورد عنه انَّه كان يقول (ع): “لأنْ أسقط من شاهق فأتقطَّع قطعة قطعة أحبُّ إليَّ من أن أتولَّى لهم عملاً أو أطأ بساط رجلٍ منهم”.
هذا مضافاً إلى مقارعته للسلطان في موارد عديدة والجهر له بعدم استحقاقه لهذا المنصب. ثم إنَّ الإمام (ع) كان يحرص على التعريف بالإمامة وموقعها في الاسلام والملكات التي يجب أنْ يتوفَّر عليها الامام والشروط التي وضعها الاسلام ونصَّ عليها الرسول (ص) فيمن له أهليَّة الامامة والريادة للأمة. وكان بذلك يؤصِّل لمفهوم الإمامة الشرعيَّة المستفادة من القرآن الكريم والسنة النبويَّة. وذلك ما ساهم إلى حدٍّ كبير في بلورة مذهب أهل البيت (ع).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.