نموذجان مغايران للناتو.. أي نموذج ستختاره فنلندا والسويد؟

 

بقلم/ أندريه كورتونوف ..

ناقش برلمانا السويد وفنلندا، الإثنين الماضي، التقارير الحكومية المتعلقة بانضمام هذين البلدين إلى الناتو. ليس هناك شك الآن في حدوث ذلك في المستقبل القريب. بالطبع، سيكون من الخطأ تجاهل العواقب السلبية على أمن روسيا بسبب قرار السويديين والفنلنديين. هذه العواقب ستزداد حتماً. سيتحول بحر البلطيق الآن إلى “بحيرة الناتو” بالفعل، الأمر الذي يتطلب إجراءات انتقامية لتعزيز الوجود البحري الروسي في هذه المنطقة، وتعزيز قوات الدفاع الجوي، وأنظمة الصواريخ الأرضية. بذلك، يتضاعف طول الحدود البرية بين روسيا والناتو، الأمر الذي يتطلب جهوداً كبيرة من جانب موسكو من أجل نشر قوات وتجهيزات إضافية على طول الحدود مع فنلندا، وكذلك لتحديث البنى التحتية العسكرية في كاريليا ومقاطعة مورمانسك.

كذلك، سيتغير الوضع الاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي أيضاً، وليس لمصلحة روسيا، بحيث على روسيا أن تقف بمفردها ضد الحلف الغربي المتماسك. إن مستقبل الحلف الشمالي الآن موضع تساؤل، على الرغم من أنه كان يُعَدّ، طوال أعوام متعدّدة، مثالاً جديراً بالثناء على قدرة بلدانه على المواجهة الجيوسياسية العالمية. ومن المتغيرات أيضاً، في وضع فنلندا والسويد، زيادة عدد البلدان المنضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في آن معاً. إن هذا “التزامن” بين المشروعين الغربيين الرئيسين يقلل الحظوظ في أن تكتسب أوروبا “استقلالاً ذاتياً استراتيجياً” عن الولايات المتحدة، وتدفعه إلى أجل غير محدد في المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك، يثير انضمام البلدين إلى الناتو أسئلة غير مريحة بشأن الرواية الروسية عن الحاجة إلى المحافظة على الوضع المحايد لأوكرانيا بأي ثمن. إذا كان من الجائز لهلسنكي وستوكهولم التخلي عن هذا الوضع من دون طلب الموافقة من الكرملين، فلماذا هذا ممنوع على كييف؟ وإذا كان الجيش الروسي قلقاً جداً بشأن الوقت القصير لرحلة الصواريخ الباليستية أو صواريخ كروز من الحدود الشمالية لمنطقة خاركوف حتى موسكو، فإن وقت طيران هذه الصواريخ من الحدود الشرقية لفنلندا إلى سان بطرسبورغ أقصر في أي حال.

ومع ذلك، فإن دخول فنلندا والسويد حلق الناتو ليس نهاية القصة، ولا يمثل كارثة كاملة لموسكو. كانت هناك أوقات أسوأ، عندما خاضت روسيا حروباً دامية مع كل من السويديين (على الأقل 16 مرة بين القرنين الثاني عشر والتاسع عشر) والفنلنديين (ثلاث مرات خلال القرن العشرين المضطرب). اليوم، لن نجد كثيرين، لا في هلسنكي ولا في ستوكهولم، ممن يريدون قياس قوتهم مع الروس القلقين في ساحة المعركة، وستحدد شروط عضوية البلدين في حلف الناتو آفاق علاقات موسكو مع كلتا العاصمتين الشماليتين.

اليوم، تم تطوير نموذجين مغايرين للغاية، على الأقل، لمشاركة بلدان منطقة شمال أوروبا في حلف شمال الأطلسي. هناك “النموذج البلطيقي” المشروط، الذي تمثله إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا. وهناك “النموذج الإسكندنافي” الذي اختارته النرويج وأيسلندا، وبدرجة أقل الدنمارك.

يتضمن “النموذج البلطيقي” جعل الدولة مركزاً عسكرياً – سياسياً مدافعاً عن الحضارة الغربية في مواجهة “البربرية الشرقية” التي تمثلها روسيا. إن زعماء دول البلطيق وبولندا هم على الدوام بين أكثر منتقدي موسكو تصميماً وحزماً، وهم مستعدون للذهاب إلى أقصى حد ممكن في طريق تعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو، ونشر البنى التحتية للحلف في أراضيهم، وبناء “علاقات خاصة” بواشنطن، وما إلى ذلك.

على العكس من ذلك، فإن “النموذج الإسكندنافي” يشمل محاولات الجمع بين عضوية الناتو وسياسة التعاون الثنائي النشط مع موسكو، ويطرح موقفاً أكثر تحفظاً تجاه النشاط المفرط للناتو في أراضي دوله، والبحث المستمر عن اتفاقيات حل وسط حتى في معظم القضايا صعوبة. ليس من قبيل المصادفة أن علاقات روسيا بالنرويج، وهي عضو في حلف الناتو، على مدى عقود متعدّدة، تجاوزت في كثير من النواحي علاقات روسيا بجارتها المحايدة تماماً، السويد.

حتى الآن، كِلا نموذجي الانضواء في حلف الناتو مفتوح أمام هلسنكي وستوكهولم. من المهم أن تتخذ كِلتا العاصمتين الاختيار الصحيح. ويعتمد هذا الاختيار، من بين أمور أخرى، على عدد من القرارات المتَّخَذة في موسكو. على سبيل المثال، سيؤدي تأخير عملية عسكرية خاصة في أراضي أوكرانيا، بطريقة أو بأخرى، إلى دفع جيراننا الشماليين إلى اختيار “النموذج البلطيقي”. وعلى العكس من ذلك، فإن سرعة تحقيق اتفاقيات السلام سوف تحفّزهما على التحرك في اتجاه “النموذج الاسكندنافي”. يعتمد اختيار هذا النموذج أو ذاك أيضاً على ضبط النفس، الذي قد تُظهره موسكو أو لا تُظهره، في رد فعلها، سياسياً وعسكرياً وتقنياً، على التغيّر في وضع فنلندا والسويد. ينطبق هذا أيضاً على بحر البلطيق، والحدود الروسية الفنلندية، ومنطقة القطب الشمالي.

يجب ألّا ننسى أنه، تاريخياً، لم تكن عضوية أي دولة في الناتو أبداً عقبة كأداء أمام تعاونها مع موسكو. دعونا نتذكر، على سبيل المثال، التفاعل الطويل الأجل (والناجح جداً بصورة عامة) بين روسيا وتركيا في سوريا كجزء من عملية أستانا المتعددة الأطراف، فضلاً عن توريد أحدث أنظمة “أس 400” المضادة للطائرات من موسكو إلى أنقرة. لكن، لا ننسى أن الخلافات والتناقضات والصراعات الحادة بين موسكو وأنقرة أكثر كثيراً من الخلافات والتناقضات والصراعات الحادة بين روسيا والسويد وفنلندا.

كانت فنلندا والسويد أقرب جارتين لروسيا في الشمال لعدة قرون. على خلفية تاريخنا المشترك الممتد قروناً، فإن الدخول الحالي المتسرع للبلدين في حلف الناتو هو مجرد حلقة، وإن لم تكن ممتعة للغاية بالنسبة إلى الجانب الروسي وتستحق الأسف. يجب عدم السماح لهذه الحلقة بإلقاء ظلالها على مستقبل العلاقات مع هلسنكي وستوكهولم، وكذلك إغلاق إمكان استعادتها ليس فقط على المدى القصير، ولكن أيضاً على المدى المتوسط.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.