كازاخستان تختار الخط الأوراسي الحليف لروسيا والصين وايران

 

بقلم/ جورج حداد..

 

هناك فكرة سائدة هي أن العلاقة التاريخية بين العرب وكازاخستان تنحصر في توسع الفتوحات العربية الاسلامية القديمة ووصول الإسلام، بهذه الواسطة، الى آسيا الوسطى ومنها كازاخستان.

ولكن الواقع التاريخي للعلاقة بين كازاخستان وآسيا الوسطى عمومًا وبين العرب، هي أعمق من ذلك وأكثر تعقيدًا. يمكن القول إن كازاخستان كانت في القرن الثالث عشر أحد معابر الاجتياح المغولي لروسيا من ظهرها. وقد أسفرت معركة عين جالوت وما تلاها من معارك المماليك ضد المغول عن نتيجتين: الاولى هي ازاحة المغول عن سوريا الكبرى والعراق، والثانية سلبية هي ترسيخ حكم المماليك بالنظر اليهم كمُحررين، والنظر الى الظاهر بيبرس كبطل إسلامي قاد تحرير الدولة العربية – الاسلامية من المغول.

كانت كازاخستان تاريخيًا اقليمًا جغرافيًا شاسعًا، تقطنه قبائل رحّل، رعوية – بدوية، طورانية (تركية قديمة). وقد غزاها في مراحل مختلفة ملوك الفرس والصينيون والمغول والقياصرة الروس. وفي القرن الثامن عشر دخلت كازاخستان كليًا في قوام الدولة الروسية القيصرية. والى اليوم فإن قسمًا كبيرًا من الرأي العام الروسي لا يزال يطالب باعادة كازاخستان الى كنف الدولة الروسية، كما كانت قبل سنة 1917.

وقد أنفقت الدولة الروسية السوفياتية الوف مليارات الروبلات، المأخوذة من عرق وجهد وضنك وجوع أجيال من الكادحين الروس، لانشاء مقومات الدولة الكازاخستانية الجديدة. وكان أهم انجاز على هذا الصعيد الحضاري هو تشكيل الطبقة العاملة الكازاخستانية، وجماهير الفلاحين المرتبطين بالزراعة المعاصرة، ومكافحة الأمية وتعميم التعليم وتشكيل شريحة واسعة من الانتلجنسيا، من المثقفين والمتعلمين الكازاخستانيين. وبنتيجة هذا الدور التنموي، التحضيري، التثقيفي والتعليمي الذي اضطلع به المواطنون الكازاخستانيون من أصل روسي، وبدعم مالي واقتصادي وعلمي شامل من قبل الدولة الروسية – قلب الاتحاد السوفياتي السابق – أصبحت اللغة الروسية واسعة الانتشار وتعتبر مع اللغة الكازاخية اللغتين الرسميتين للدولة الكازاخستانية الجديدة.

ولكن في الوقت ذاته وُجد في كازاخستان تيار معاد لروسيا، ويحن الى العصر الرعوي.

كازاخستان تختار الخط الأوراسي الحليف لروسيا والصين وايران

ويبلغ انتاج وتصدير النفط والغاز نسبة 70% من الدخل القومي لكازاخستان. ويبلغ اجمالي الناتج المحلي فيها مرتين اكثر من الناتج المحلي لجاراتها  قيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان مجتمعة، مما يساهم في اعطاء كازاخستان طابع “الاخ الاكبر” لجمهوريات اسيا الوسطى الاسلامية السوفياتية السابقة.

وتستورد كازاخستان من روسيا، تقريبا، جميع حاجاتها الاستهلاكية المستوردة، وتعتبر روسيا الشريك التجاري الاكبر لكازاخستان.

وفي العهد السوفياتي تم أكثر من مرة تغيير الحدود الادارية لكازاخستان، وضم اليها قطاع كبير من سيبيريا الروسية. وكانت هذه التغييرات الجغرافية تعتبر “مسألة ادارية داخلية” ضمن الدولة الواحدة.

 

وبلغ عدد سكان كازاخستان في 2020 حوالى 19 مليون نسمة، منهم حوالى 4 ملايين نسمة (حوالى 20%) من الروس، مقابل 65% من الكازاخيين، والبقية هم من الاوكرانيين وغيرهم من جميع الدول السوفياتية السابقة ومن الالمان والصينيين (الايغور المسلمين) والكوريين واليهود ذوي الاصل الخزري (الاشكنازي).

وتنتمي كازاخستان الى هيئة الامم المتحدة وجميع المنظمات الدولية الرئيسية، والى منظمة الدول الناطقة بالتركية، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تقودها روسيا، وتضم: كازاخستان، أرمينيا، قيرغيزستان، طاجيكستان، وأوزبكستان. كما تنتمي الى  “الاتحاد الجمركي الاوراسي” الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وارمينيا وقيرغيزستان.

وهي عضو أيضاً في منظمة شنغهاي للتعاون. وهذه المنظمة تضم الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى وانضمت إليها إيران مؤخراً، وينظر إليها في الغرب وكأن الهدف منها هو تشكيل معادل لحلف شمال الأطلسي.

 

وينقسم الكازاخيون الى ثلاث قبائل تحمل كلها اسم “جوز” وهي: جوز الكبرى، جوز الوسطى، وجوز الصغرى. وتحكم قبيلة جوز الوسطى البلاد، وينتمي اليها كل من الرئيسين السابق والحالي، نورسلطان نزاربايف وقاسم توكايف.

خطوط الصراع

في المرحلة ما بعد السوفياتية، ولا سيما في العقدين الاخيرين، ظهرت في كازاخستان، وتقاطعت وتضافرت، وتنافست وتضاربت، عدة خطوط جيوسياسية رئيسية، يمكن تشخيصها في ما يلي:

1 – الخط الروسي – الصيني وتدعمه ايران:

باعتبار كون كازاخستان جمهورية سوفياتية سابقة، فإن الحدود الروسية الطويلة جدا معها، وكذلك الحدود الصينية الطويلة، كانت بمثابة “حدود داخلية”، ولم تكن مهيأة ومجهزة دفاعيا كحدود مع عدو واقعي أو محتمل، كما هي حال الحدود الغربية لروسيا، أو الحدود الشرقية للصين. ولذلك فإن الحدود مع كازاخستان تعتبر الى حد ما بمثابة “خاصرة رخوة” دفاعيًا لكل من روسيا والصين.

ويزيد الطين بلة على هذا الصعيد أن جميع مواطني كازاخستان والجمهوريات السوفياتية السابقة لا يزال يحق لهم الدخول الى الاراضي الروسية والتنقل والاقامة والعمل فيها، بدون تأشيرات دخول (فيزا) مسبقة وبدون تصاريح خاصة. وهذا ما يسهل على أي قوة معادية منظمة، استغلال هذا الوضع على امتداد حدود طولها الاف الكيلومترات.

2 – الخط الاميركي – الناتوي:

ويحظى هذا الخط بدعم ومساندة وتمويل “اسرائيل” واليهودية العالمية، من جهة، والسعودية ومشيخات النفط العربية، من جهة ثانية.

وبعد أن سقط احتمال السيطرة على روسيا وتفكيكها واستعمارها بشكل مباشر في عهد يلتسين، سعت القيادة الامبريالية الاميركية والناتوية الى زعزعة الاستقرار في كازاخستان، وزعزعة وإضعاف النظام القائم ومحاولة اسقاطه وتفكيك هذه الدولة مترامية الاطراف. وتضع الدوائر الاميركية نصب عينها هدفين:

الاول، السيطرة على انتاج النفط والغاز في كازاخستان بوضع اليد بشكل كامل على حقل تنغيز الضخم، وهو ثاني أكبر حقول النفط بالعالم، بعد حقل الغوار في السعودية، ويقع في مستنقعات الشاطئ الشمالي الشرقي لبحر قزوين، ويبلغ انتاجه حوالى 900.000 برميل يوميا. كما على حقل كاشاغان (البحري) الواقع في المياه الاقليمية التابعة لكازاخستان في بحر قزوين وينتج ما بين 370,000 إلى 400,000 برميل يوميا (احصاءات 2019). ويمكن زيادة انتاج النفط في كازاحستان الى 1.500.000 برميل يوميا. اضافة الى انتاج الغاز. واذا تمكنت اميركا من تحقيق هذا الهدف، فهذا يعني، من جهة، امكانية تقليص أو الغاء اعتماد أوروبا على استيراد الغاز والنفط من روسيا، ومن جهة ثانية، التحكم بجزء هام من تصدير النفط والغاز الى الصين.

الثاني، تحويل كازاخستان الى ليبيا ثانية من حيث التفكيك القبلي للدولة وتحويلها الى اوكار ومراكز تجميع للارهابيين والمخربين والمرتزقة القتلة من شتى بقاع الارض، وخصوصًا أتباع “داعش” واخواتها، ثم تحويلها الى بؤرة لاوكار الذئاب الارهابية، التي تنطلق فرادى أو في مجموعات صغيرة، لارتكاب المجازر ضد المدنيين والاهداف المدنية في القرى والبلدات والمدن الروسية على امتداد 7600 كلم، والصينية على امتداد 1800 كلم.

3 – الخط الزعامتي والشوفيني لنزاربايف:

انتخب نورسلطان نزاربايف لرئاسة كازاخستان منذ استقلالها في كانون الاول 1991، وأعيد انتخابه عدة مرات متتالية حتى استقالته المفاجئة في شباط 2019. وكان الدستور لا يسمح للشخص الواحد بالترشح اكثر من مرتين، ولكن جرى تعديل الدستور خصيصا لنزاربايف كي يسمح له بالترشح كما يشاء ومدى الحياة. وفي ايار 2010 منحه مجلس النواب لقب “زعيم الامة”.

وخلال مدة ولايته الطويلة احيط نزاربايف بهالة من التمجيد الخاص، ونصبت له عدة تماثيل وانصاب في المدن والمؤسسات الرسمية، كما في احدى الساحات العامة في العاصمة التركية انقرة. 

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.