مظفر النواب.. سيرة مفعمة بالحب

جاسم عاصي..

هل رحلت يا شاعر الصدق في الموقف الوطني؟ لا أرى في ما حدث رحيلاً، فقد تركت وراءك سيرة يفتخر بها الشعب وقواه الخيّرة، يردد ما كتبت بصوته الزاخر بحب الوطن. فسيرتك من مسيرة نضالك مع رفاقك وصحبك وأُخوتك، متنقلاً من سجن إلى آخر، ومن غرفة تعذيب جسدي ومعنوي إلى أُخرى تتبارى خلالها شطارة المحققين. من نقرة السلمان وقطار الموت، اجتزت مع رهط المنفيين، عابرين صحراء السماوة الحارقة والشاسعة في شاحنة (أُم الزرازير) كما كان يطلق عليها السجناء. ثم إلى سجن بغداد المركزي، وصولاً إلى سجن الحلة، وحصراً في الجناح الجديد، حيث حدثت ملحمة نفق الحلة الشهير، كما رواها عقيل حبش. حفر السجناء بآلات بسيطة، وأناة وحذر من كشف العملية المهمة فكان دورك أساسياً يا أبا عادل، ومهمتك صعبة، لأنها تتصل بحرفة الهندسة والفراسة. فكم مرة صعدت إلى المجال الذي يتصل بالسياج الخارجي للسجن بحجة تفقد منسوب الماء في الخزانات. والحقيقة أنك عملت على رسم مخطط للذين يحفرون تحت الأرض ويسيرون باتجاه المرآب المحاذي لسياج السجن. مرات .. ومرات صعدت طالما هناك محاولة للتواصل، ، خاصة حين دخل ياسين حسين لتفقد ما وصل إليه الحفر قبل انتهائه إلى المرآب، حيث سمعوا صوت قطة تموء، فاستغربوا من ذلك، وسألوا: من أين أتت هذه القطة؟ وعند البحث وجدوا أن النفق أثناء الحفر ترك فجوة في السقف تحت كابينة الحراسة، ما دفعهم إلى الإسراع في جلب الإسمنت والرمل والحديد، وعالجوا السقف على عجالة. وكم كانت فرحتكم وأنتم تكتشفون مخزنا داخل الأرض، بعد أن كنتم محرجين في الكيفية التي بواسطتها التخلص من التراب المنزاح من تحت الأرض. وبسرعة عرفتم وجود الغرفة الواسعة، فقد كان الحفر يجري من مكان كانت تشغله مرافق صحية، وهذا المخزن يتصل بمجرى النفايات الجاف جراء عدم الاستعمال. لقد جاء استبدالكم غرفة الصيدلية صغيرة المساحة بهذا المكان الواسع وغير المثير للشك فتحاً لكم. عملتم بكل دأب حتى أنجزتم المهمة، وغادرتم السجن هرباً وفق خطة مدروسة، وكان طريقك نحو أهزار الجنوب حيث منطقة (الغموكَة) الشهيرة بنضال أهلها. هكذا تكون المسيرة التي تصقل سيرة الرجال وتعمق إيمانهم بالمبادئ وبشعبهم. هذا جزء من سيرتك يا أبا عادل، يتحدث فيها الجميع، ويتندر المحبون ببسالتك وإقدامك، شعراً وسيرة. شعراً باللهجة العامية العراقية، الشعر الذي تتداخل فيه الصور الشعبية ونكهة اللهجة التي يفهمها الجميع، كذلك المثقفون. شعرك الفصيح فيه رؤى وأصوات الموقف الجماهيري. فقد تداخل فيه صوتك مع أصوات الناس، فأحبوه لأنه منطوق بلسانهم، وغير بعيد عن تصوراتهم ورؤاهم وآمالهم في العيش الرغيد بعيداً عن المناكفات السياسية.. في غضبهم وفرحهم وثورتهم. ألم نقل أنك لم ترحل، لأننا نؤمن بأن ما نعرفه جزء ضئيل من الذي يعرفه الكثيرون. في سيرتك تتعدد الأصوات ويكثر الرواة. لقد أبقيت سيرتك أمانة في أعناقنا، سيدونها المحبون، ويعيدون لشعرك (ولريلك) و(حمدك) و(مكّيرك) الحياة من جديد، كي تعرف الأجيال من هم الأكثر إخلاصاً لشعبهم. زاد طول قاماتنا ونحن نرى مظهر تشييعك في بغداد، وسار خلف نعشك الجميع، حتى دفنت في أرض العراق خلافاً للشعراء (الجواهري، البياتي، مصطفى جمال الدين، سعدي يوسف ونجله حيدر، عبد الرزاق عبد الواحد. ولم يُفكر أحد بنقل رفاتهم من مقبرة الغرباء في دمشق، بل عاشوا غرباء وماتوا غرباء ودفنوا في أرض غريبة باعتبارات اجتماعية. نم قرير العين في سريرك الأرضي بيننا ـ تحف قبرك عيوننا وضمائرنا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.