مَنْ يتعمّد الرفع الجنوني لسعر الدولار وتصعيد الأزمة؟

 

بقلم/د. محمود جباعي..

تتوالى الانهيارات السريعة للعملة الوطنية مقابل الدولار منذ لحظة انتهاء الاستحقاق النيابي، فقد بلغت نسبة ارتفاع الدولار مقابل الليرة  اللبنانية حوالي 33%  في 12 يومًا فقط حيث ارتفع من حدود 27 ألف ليرة للدولار الواحد الى حدود 36 الف ليرة حاليًا.

هذا الارتفاع يؤكد أن كل الاستقرار الذي حصل قبل الانتخابات لم يكن إلا هدوءًا نسبيًا ومصطنعًا وغير مبني على أي أسس متينة وإنما كان فقط وهمًا باعته السلطة للمواطنين من أجل تمرير استحقاق الانتخابات النيابية، وهو ما يفسر الصمت المريب من قبل كل أركان الحكم وبالأخص المسؤولين عن السلطة النقدية والمالية، علمًا أن المسؤولية الوطنية تحتم الدعوة الفورية لاجتماع طارئ من أجل ضبط الانهيار الحاصل.

من الواضح أيضًا أن هذا الانهيار السريع يحمل في أبعاده أهدافًا سياسية ملغومة إضافة إلى أسبابه النقدية والمالية المنطقية والتي لا يمكن أن تجعل الدولار يبلغ هذا المستوى مقابل الليرة لولا تعمد عدم التدخل المنطقي في ضبط سعر الصرف. فعلى الرغم من اعلان المصرف المركزي يوميًا قيامه بضخ أكثر من 60 مليون دولار عبر منصة صيرفة إلا أنه لم يصل شيء من هذه المبالغ فعليًا الى السوق وهذا ما يؤكده حجم الطلب المتسارع على الدولار في السوق السوداء. لذلك، أصبح لزامًا على الحكومة اللبنانية مساءلة المصرف المركزي ولجنة الرقابة على المصارف للتوضيح للرأي العام نقطة جوهرية مفادها أين تذهب تلك الأموال طالما لم تستعمل في ضبط سعر الصرف علمًا أن الهدف من كل هذا الضخ هو بالأساس من أجل لجم ارتفاع سعر الدولار وتقريب الأسعار من بعضها بعضًا بين منصة صيرفة والسوق الموازي؟

القضاء على القدرة الشرائية للمواطنين

بالتزامن مع الانهيار الدراماتيكي للعملة الوطنية الذي قضى على أكثر من 96 % من القدرة الشرائية لليرة اللبنانية، تقوم الحكومة اللبنانية بشكل ممنهج برفع كل اشكال الدعم، فبعد رفع الدعم عن المحروقات تم رفع الدعم عن الاتصالات لتصبح على منصة صيرفة، وحتى رغيف الخبز أصبح سعره أعلى من القدرة الشرائية لرواتب بعض الموظفين.

فاليوم المواطن اللبناني يدفع التكاليف اليومية على سعر الدولار في السوق الموازي بينما راتبه ما يزال على سعر الصرف الرسمي حيث إن أسعار المواد الاستهلاكية اليوم باتت تحتسب على سعر 40 ألف للدولار الواحد وأسعار المحروقات على سعر صرف تقريبي 30 ألف للدولار الواحد وهو مزيج من احتساب دولار المحروقات على صيرفة وعلى سعر السوق السوداء وكذلك سيدفع أسعار الاتصالات على 25 ألفا تقريبًا وهو سعر صيرفة المتحرك يوميًا، ما سيؤدي حتمًا الى عملية سحق قاتلة للعديد من الأسر اللبنانية التي يتقاضى معيلها راتبه بالليرة اللبنانية فقط، بالأخص كل موظفي القطاع العام وجزء كبير أيضًا من موظفي القطاع الخاص مما سيؤدي الى تلاشي ما يسمى بالطبقة الوسطى في لبنان وبالتالي سيرتفع مؤشر الفقر الذي سيؤدي بدوره الى حصول مجاعة حقيقية سينتج عنها انفجار اجتماعي غير مسبوق بسبب غطرسة أهل الحكم الذين يعيشون في أبراج عالية والشعب يعاني الدمار بسبب سياساتهم التي ساهمت في نهب خيراته وجنى أعماره في المصارف. بدورها تقوم المصارف “بتشحيد” المواطنين جزءًا بسيطًا من أموالهم على سعر صرف دولار 8000 ليرة بينما سعر السوق الفعلي هو اليوم 36 ألف ليرة أي بهيركات يصل الى حدود الـ 75 %.

مع كل أسف، إن ما ينتظر اللبنانيين هو مشهد أسود وقاتم وبالأخص في تكاليف حياتهم اليومية فالمشهد ينذر بارتفاع الأسعار في شتى المجالات بدءًا من أسعار المحروقات الى اشتراك المولدات الكهربائية المرتبط سعرها بارتفاع سعر المازوت الى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاتصالات في ظل سلطة فقدت كل حس بالمسؤولية وتعمل فقط على قاعدة “بدنا نتحمل بعض”. فالشعب الذي يتقاضى الفتات من الليرة عليه أن يتحمل من أجل الفاسدين الذين زادوا ثرواتهم من خيراته وأمواله. بئس المعادلة المبنية على قاعدة تدمير شعب كامل من أجل حماية لصوص الهيكل في شتى المجالات.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.