العراق والمرجعية والدين والدولة…تساؤلات

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..
مما لاشك فيه أن ثمة تساؤلا مطروحا بقصدية معروفة من حيث الأسباب أو الجهات التي تروّج له والذي يتلخص عن سكوت المرجعية الدينية العليا عما يجري في العراق وفق ما يطلق عليه بالانسداد السياسي وعدم إبداء رأيها من خلال خطبة الجمعة المتوقفة منذ أكثر من سنتين إثر تداعيات كوفييد 19 . الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب التطرق ولو بإيجاز في ماهية العلاقة بين الدين والدولة والتي تعدُّ إحدى القضايا الإشكالية في فهم البعض المتغاضي عن الطبيعة المجتمعية في العراق ليأخذه بجريرة الانظمة الحاكمة في دول تنتمي الى ثقافات مغايرة رغم اتخاذها الاسلام دينا رسميا للدولة مثل تركيا التي فصلت ما بين السياسة والدين . في العراق ومنذ حراك تشرين في العام 2019 يمكننا القول إن جوهرالصراع والتضاد هو بين الشريعة الإسلامية والعلمانية وفق ما يفهم العلمانيون المتعلمنون بعيدا عن الخوض في الجهات المحلية أو المخابراتية الدولية التي اخترقت التظاهرات وسيطرت على مفردات حراكها , وبما أننا نجزم باتفاق الغالبية العظمى من الشعب العراقي بما فيهم المختلفون والمتخالفون على إسلاموية المجتمع فلابد لنا أن نجيب على من يتساءل عن مديات التقاطع بين العلمانية والشريعة الإسلامية . إن النموذج التركي الذي قام بفصل الدين عن الدولة منذ أكثر من ثمانين عاما ورغم توفير كل أسباب القوة للمد العلماني بكل مفاهيمه (التحررية) إلا أن الحقيقة الساطعة تشير الى أن نجاحا محدودا للعلمانية في هذا البلد الإسلامي لم يؤهلها لأن تكون النموذج الذي يُحتذى في العالم العربي . ذات الأمر يتعلق أيضا بالبلدان ذات الأغلبية المسيحية فإن صياغة القرار السياسي فيها تتأثر بشكل مباشر برأي الكنيسة ودورها الفاعل في ذلك كما هو الحال في أوروبا وعلى سبيل المثال في ألمانيا التي يعتبر الفصل فيها بين الدين والدولة أحد أهم الركائز الأساسية للنظام السياسي فيها ورغم ارتكاز معظم نظم الحكم في أوروبا على مبدأ الفصل بين الدولة والدين يُبقِي للدين دوره الاجتماعي في تنظيم العلاقة بين الأفراد والدولة وهذا ما نشهده حتى في فرنسا بشكل واضح . بعد هذا الاقتباس المختصر وبعيدا عن الإسهاب في الاستدلال على ما ذكرت وبحقائق ملموسة في كثير من البلدان فإن العراق دولة وكيانا ومجتمعا وواقع شيء يتميز عن سواه . الثوابت في مفردات حياة العراقيين تترابط عضويا في إرث ديني عميق يمتد لما يتشرف به ثرى الرافدين من أجساد الأئمة المعصومين لآل البيت عليهم السلام بما يمثلون من قداسة روحية لدى الغالب الأعظم للمجتمع العراقي وبعض الصحابة والأولياء عند أهل السنة مما يمثل عائقا كبيرا لدى من يخطط للمضي في علومة الحال في العراق . الأمر الآخر هو أن ما نراه من خلافات سياسية في العراق لا علاقة له في الشأن الديني على الإطلاق إنما هو صراع سياسي يتبناه رؤساء الكتل السياسية العراقية بما فيهم من يرتدي العباءة الدينية على النفوذ والمناصب والمصالح . هنا لابد أن ندرك الحقيقة المرة التي تواجه المرجعية العليا في النجف الأشرف بعد أن وجدت نفسها في ساحة المواجهة الذاتية في حال التصريح أو الإفتاء في الرأي أو النصيحة بعد أن صار الأضداد من ذات المذهب وذات الثوب وذات اللون وليس كما كان بين شمال ويمين وداعش ودولة حيث كان لفتواها وزن السماء الذي زلزل الأرض تحت أقدام العدو بآلالف مؤلفة من أبطال الحشد الرساليين الخالدين بشهدائهم ودمائهم وأبطالهم الذين لازالوا حتى اليوم يمسكون الأرض ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلّوا تبديلا . نعم على الجميع أن يفهم أن المرجعية الدينية العليا تواجه من ذات آطارها من يعارضها ويتجاوز على قداستها وهو مهيّأ لعبور كل الخطوط الحمراء وهو ما يلزمها بما يؤطر نهجها من الحكمة والعقل وبعد النظر أن تلتزم الصمت تلافيا لما هو أخطر وأدهى ما بين أبناء البيت الواحد إلى أن يشاء الله أمرا كان مقضيا وتكون للشرفاء كلمة والله دافع البلاء وحافظ العراق وأهل العراق.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.