الصاحب بن عباد .. موسوعة علمية شاملة

 

مَنْ يريد الحديث عن الصاحب بن عباد، يشبه من يتطلّع إلى صرح شامخ يسطع بالمفاخر والمآثر، وقد أقامت هذا الصرح أعمدة ذهبية أرست في خضم الخلود قواعدها وانبجست حولها عيون المعارف والعلوم المشبعة بالمعطيات الضخام والانجازات العظيمة.

إذا تقصّينا حياة هذا الرجل لوجدناها حافلة بالإبداع، وزاخرة بالعطاء الدائم والجهود الجبارة في شتى العلوم، جعلته في مصاف الخالدين في عصور الإنسانية جمعاء، فعندما تستقرئ أي مجال من مجالات العلم تراه يشخص أمامك في طليعة أفذاذ ذلك المجال، وقد توزّعت أفكاره وآراؤه وشعره ونثره في مختلف الكتب والمصادر ورفدها بآثار لا تمحى ومآثر لا تحصى.

والاسترسال في الحديث عن الصاحب يقتضي دراسات مطوّلة في كل جانب من جوانبه المختلفة ولكن بما أن كتب التواريخ قد ضمّنت فصول حياته الحافلة وأفاضت كتب التراجم الحديث في علميته الواسعة، فإن الموضوع لن يكون بكراً بقدر ما هو إضاءة لأبعاده المتعددة والجوانب العظيمة في شخصيته وإعادة جمع أشتات ما تناقلته هذه الكتب عن مآثره وإنجازاته بأسلوب عصري وهذا ما يبرر شرف المحاولة.

وفضلاً عن ذلك، فإن شخصية الصاحب وما تمتع به من مؤهلات تستدعي الإفاضة في تحليل جوانبها العلمية والأدبية برؤى معاصرة، وهو ما لم يتطرّق إليه المؤلفون المعاصرون في دراسة تكون معيناً للباحث ومنهلاً للأديب والناقد عن هذا العلم من أعلام الأدب والفكر الإسلامي والصرح الخالد من صروحه.

ولعل ما يغري الباحث هو ما جاء في وصفه في كتب التراجم من صفات خالدة وخصال نادرة فقد عُدّ في العلم في عداد الكليني والصدوق والمفيد والطوسي، ووصفه المجلسي الأول في حواشي نقد الرجال بكونه: أفقه فقهاء أصحابنا المتقدمين والمتأخرين. وعّده في مكان آخر: من رؤساء المحدثين والمتكلمين. و وصفه الحر العاملي في أمل الآمل بأنه محقق، متكلم، عظيم الشأن، جليل القدر في العلم.

كما لم يقتصر مدحه والإشادة بعلميته على المؤلفين الشيعة، فقد عدّه الثعالبي أحد أئمة اللغة الذين اعتمد عليهم في كتابه (فقه اللغة) وجعله في مصاف الليث والخليل وسيبويه.

ولد الصاحب، أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني الملقب بـ (كافي الكفاة)، في إحدى كُور فارس باصطخر أو طالقان في 16 ذي القعدة سنة 326 هـ وهو أوّل من لقب بـ (الصاحب) من الوزراء في الدولة البويهية، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له: صاحب ابن العميد ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولّى الوزارة بعد ابن العميد 367هـ .

كانت بداية تعليمه على يد والده وأبي الفضل بن العميد وابن فارس وأبي سعيد السيرافي وغيرهم من أئمة اللغة، كما كان مهتماً كثيراً بالحديث ويحث على طلبه وكتابته وكان يقول: من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الإسلام. فكان يُملي الحديث على خلق كثير ومن أشهر من كتب عنه: عبد القاهر الجرجاني، والقاضي عبد الجبار، وشاع نبوغه في العلوم كافة وتضلّع في فنون الأدب المختلفة، فنصبه مؤيد الدولة البويهي كاتباً لمدة عشرين عاماً ثم جعله وزيراً له مدة حياته ــ أي مؤيد الدولة ــ  فلما توفي مؤيد الدولة بقي الصاحب وزيراً لأخيه فخر الدولة فكان مبجّلاً عنده نافذ الأمر.

كان مجلس الصاحب، محط الشعراء والأدباء، وذاعت شهرته حتى أصبح موضع اعجاب كل من سمع به. وقد اتصف الصاحب بصفات كريمة وخصال فضيلة فكان جزل العطاء كريماً جواداً قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه.

أما شعره فهو يفوح بشذى ذكر أهل البيت (ع) وقد أفصح فيه عن منبعه الولائي الخالص لهم وأشهر شعره القصيدة التي بدأ كل أبياتها بكلمة (قالت) وفيها يستعمل لغة الحوار في فضائل أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع). وتقترن هذه النبرة الخالصة بالروح الولائية النابضة بحب أهل البيت (ع) فتتوحّد عنده الذات مع الموضوع.

ويحرص الصاحب، ان لا تفوته فضيلة لأهل البيت وخاصة سيدهم أمير المؤمنين دون أن يكون له الشرف في نشرها لتصبح نشيده الذي يفخر به.

وقصائده في هذا المعنى كثيرة جداً، قال السيد ابن معصوم: إن الصاحب قال قصيدة معرّاة من الألف في مدح أهل البيت (ع) فتعجّب الناس منها وتداولتها الرواة، فاستمر الصاحب على تلك الطريقة وعمل قصائد، كل واحدة منها خالية من أحد حروف الهجاء وبقيت عليه واحدة تكون خالية من الواو فانبرى صهره فعملها وجعلها في مدح الصاحب.

ولم يرزق الصاحب بأولاد سوى بنت زوجها للشريف أبي الحسين علي بن الحسين الحسني الرئيس بهمدان وينتهي نسبه إلى الإمام الحسن (ع)، وكان الصاحب يفتخر بهذه الصلة ويباهي بها.

ومؤلفات الصاحب وكتبه كثيرة وفي مجالات كثيرة منها: الإمامة في تفضيل أمير المؤمنين (عونهج السبيل في الأصول، وأسماء الله وصفاته. ومن كتبه أيضاً في علوم شتى: التذكرة، والتعليل والانوار، والمحيط في اللغة في عشرة مجلدات، والفصول المهذبة. كما ألّف كتابين في العروض وكتابين في الطب وعدة كتب في الأدب والشعر وقد أربت مؤلفاته على الثلاثين.

لقد كان الصاحب قطب رحى العلم في عصره الذي أصبح بفضله من أخصب العصور الأدبية ، فكان يقرّب رجال العلم والأدب والفضيلة ويغدق عليهم فتهافت عليه الشعراء وقد عدّهم الثعالبي فكانوا خمسمائة شاعر من الذين مدحوه.

توفي الصاحب سنة 385 هـ بالري ودفن في أصفهان والناس يتبركون بزيارته، ويطلبون عند قبره الحوائج، ورثاه كثير من الشعراء أبرزهم الشريف الرضي الذي رثاه بقصيدة طويلة بلغت 112 بيتاً.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.