كربلاء تحت وطأة القصف العثماني .. التأريخ يروي مجازر مُروِّعة

 

تحل علينا في مثل هذا اليوم، ذكرى القصف العثماني الأثيم لمدينة كربلاء المقدسة سنة 1258هـ بأمر الوالي العثماني نجيب باشا، والتي شهدت حينها دخول العثمانيين إلى المدينة، قد استباحوها وارتكبوا مجزرة مروعة بأهالي المدينة راح ضحيتها قرابة العشرين ألف شخص وفيهم الكثير من النساء والأطفال.

ونزع الأتراك في كل عصورهم التي غزوا فيها البلاد الإسلامية إلى اتخاذ موقف معادٍ للشيعة وانتهاج سياسة همجية وقاسية تجاههم فأمتلأ تاريخ دولهم بصفحات سوداء وعمليات إبادة بحق الشيعة في كل المراحل التي حكمـوا فيها، وتشير المصادر إلى أنهم كانوا يحاولون بشتى الطرق إبادة هذه الطائفة واستئصالها عن بكرة أبيها.

فما إن وطأت أقدام الأتراك الغزاة أرض الهند عام (392هـ/1001م) حتى سعى قائدهم محمود بن سبكتكين الغزنوي إلى حرب الشيعة واضطهادهم ومحاربة معتقداتهم وقتل علمائهم وسلبهم ونهبهم, وقد استمر في غزواته لفتح تلك البلاد حتى عام (416هـ/1025م) وقد سفك في تلك السنوات ما لا يحصى من الدماء من الشيعة وغيرهم حتى وصفه المؤرخون بأنه: (متعطش للدماء).

وكان الشيعة قد قدموا إلى تلك البلاد فراراً من بطش الأمويين عن طريق البر والبحر جماعات ووحداناً في القرن الأول والثاني الهجري فنقلوا إليها الإسلام السلمي الخالص فأحبهم الناس واعتنقوا عقائدهم, ولم تقتصر جرائم الغزنويين على شيعة الهند بل طالت تلك الجرائم الشيعة في كل البلاد التي دخلوها من القتل والسجن والتهجير والتضييق والتنكيل وهتك المقدسات ومن جرائمهم الشنيعة هدم قبر الإمام الرضا (عليه السلام) عام (400هـ) (1)

ولم يكن العهد السلجوقي بأحسن حالاً مع الشيعة من الغزنويين، بل ازدادت سطوة السلجوقيين على الشيعة بعد أن قوّضوا الدولة البويهية الشيعية التي كانت حاضرة من أعظم الحواضر في العالم الإسلامي وعاشت بغداد والبلاد الإسلامية في عهدها أرقى فتراتها العلمية والفكرية والنهضوية فقتل السلاجقة العلماء الشيعة وأحرقوا كتبهم وهدموا مكتباتهم ومعاهدهم العلمية والفكرية وحاربوهم أشد المحاربة.

العثمانيون واستمرار المسلسل الدموي

ويستمر ذلك العداء غير المبرر للشيعة من قبل الأتراك ويبلغ أوجه في عهد الدولة العثمانية التي ارتكبت من المجازر والجرائم بحق الشيعة ما يندى له جبين الإنسانية وعاش الشيعة في ذلك العهد أقسى فتراتهم, حيث أعلن سليم الأول الحرب الطائفية على الشيعة في العراق، كما استصدر سليمان القانوني فتوى بكفرهم وجواز قتلهم في الأناضول فقتل منهم أكثر من أربعين ألفاً سوى من أودعهم في غياهب السجون, وجرت في عهده مذابح للشيعة في حلب وجبل عامل، وسار على تلك السياسة من جاء بعده من الولاة العثمانيين وخاصة والي بغداد عمر باشا الذي سلبهم قوتهم وضايقهم في معيشتهم.

كما كان للعثمانيين يد في الهجوم البربري الوحشي للوهابيين على مدينة كربلاء عام (1882م) والتي وصفت بأنها (تقشعر منها الأبدان وتشمئز منها النفوس) لهمجيتها وبشاعتها حيث دلت الحقائق على تسهيل دخول الوهابيين إلى المدينة ــ والذي جرى في عهدهم ــ وإعطائهم الضوء الأخضر بقتل من فيها وهدم قبر الحسين ونهب ما فيه من النفائس وحرقه.

سياسة الحديد والنار

من أبشع جرائم العثمانيين التي ارتكبوها ضد الشيعة هي حادثة نجيب باشا في كربلاء عام (1258هـ/1842م) حينما انتفضت هذه المدينة على السياسة العثمانية الجائرة المستبدة فحاصرها نجيب باشا الذي عرف بحبه لسفك الدماء لإخضاعها فقصفها بالمدافع وقطع النخيل وأغار المياه حتى استطاع دخولها بجيشه فاستباحها قتلاً ونهباً وتدميراً حتى اصطبغت أرضها بالدماء .

وقد حاولت المصادر العثمانية بكل جهدها تشويه هذه الحادثة, والتقليل من شأنها ونشر الأكاذيب والشائعات حولها بما يتفق مع مصالحها, فوصفت الذين ثاروا على السياسة العثمانية الجائرة من أهالي كربلاء بالعصاة والأوباش والأراذل والهاربين من وجه العدالة, ووصمهم بكل شائنة. ولكن هذه المصادر التي وصفت تلك الثورة بالعصيان والتمرد قد تجاهلت سياسة العثمانيين المستبدة تجاه أهالي كربلاء, ولم تعبأ للمعاملة السيئة التي كان يعامل بها العثمانيون الأهالي ولا للضرائب الباهظة التي كانت تُجبى من الناس لصالح الحكومة العثمانية والتي قدرت بـ (35,000) قران إيراني في كل سنة.

كان ذلك في عهد داود باشا الذي كان آخر المماليك في العراق, والذي حكم من (1232ــــ1247ه/1816ــــ1831م), وبعد انتهاء حكم المماليك عينت الحكومة العثمانية علي رضا باشا ــــ اللازـــــ والياً على بغداد فحكم من (1247ـــــ1258هـ/1831ــــ1842م), وقد ضاعف هذا الوالي الضرائب التي كانت تُجبى من أهالي كربلاء إلى ضعفين  كما يذكر المرحوم الأستاذ عباس العزاوي حيث يقول:

(وفي أيام علي باشا ــــاللازـــــ حاصرها ـــ أي كربلاء ــــ وخرج إليه سادات البلد وزعماؤها وتكفلوا له بزيادة الإيراد, فارتحل عنهم وكان ذلك الوالي لا يبالي بعصيانهم ومرامه الدراهم وقد أدّوا له سبعين ألف قران ـــ المثل اثنين ــــ عما كانوا يؤدونه الى داود باشا فرضي وتركهم).

ولكن علي باشا لم يترك المدينة دون أن يمتهن أهلها ويطبق عليهم سياسة الاستبداد فيذكر المؤرخ الكبير عبد الرزاق الحسني أن علي باشا (أبقى فيها حامية من الجماعة المناوئة لعقائد أهلها من بني سالم والكبيسات).

ولا يخفى ما لهذه السياسة من أثر سلبي في نفوس أهالي كربلاء حيث لعبت العصبية المذهبية دورها في تلك السياسة, فكان أعضاء الحامية يعاملون الأهالي بقسوة مما كوّن غضبا شعبيا ضد الحكومة أدى إلى اندلاع الثورة تقول الكاتبة التركية دِيلَك قايا:

(إن السياسات الخاطئة التي استخدمت في عهد ولاية علي رضا باشا كانت عاملاً مؤثراً في ظهور حادثة كربلاء).

فقد كان هذا الوالي يضم إلى جانبه قطاع الطرق واللصوص والمجرمين الذين كانوا ينهبون قوافل التجار وزوار المراقد المقدسة في نواحي الحلة والنجف وكربلاء, ويوفر لهم الحماية وهو يعلم بانحرافهم ليستعين بهم في حملاته, وتستطرد قايا في بيان أسباب الثورة فتقول:

(لقد جعلت أحداث السرقة وقطع الطريق التي تمت في بغداد بشكل عام في بدايات القرن التاسع عشر أهالي كربلاء في اضطراب دائم, وهو ما جعلهم يرفضون تبعيتهم للدولة العثمانية, وهناك أمر آخر أغضب أهالي كربلاء وهو التأخر في مجال الزراعة, فبينما كانت كربلاء تنتج عشرة آلاف كيلة من الحبوب في عهد داود باشا آخر ولاة المماليك, لم تتمكن من إنتاج نفس النسبة في (13ــــ14) سنة الأخيرة, وبعدما كان أهالي كربلاء يقتربون من إيران بسبب المذهب فقط, أصبحوا يفكرون في التخلي عن الحكم العثماني كلية بسبب سوء الحالة الاقتصادية).

وهناك سبب آخر دعا لعدم استقرار الأمور في كربلاء, وهو الأصول المتبعة التي طبقها علي رضا باشا في جمع الأعشار من الأهالي, فبجانب الضرائب الباهظة التي كانت تجمع من الأهالي كان الملتزمون ــــ أي جامعي الضرائب ــــ يتعاملون بقسوة مع الأهالي أثناء جمع تلك الضرائب إذا لم يحققوا شيئاً زائداً للوالي, وعلى هذا كانت تلك الضرائب سبباً في نفور الأهالي من الإدارة).

ولم تقتصر هذه الممارسات والسياسات الجائرة على كربلاء وحدها, بل شملت باقي مدن العراق مما سبب في تكوين رأي سلبي, وغضب ثوري ضد الحكومة العثمانية, كما لم تسلم هذه الممارسات الظالمة من ردود أفعال ثورية قوية من قبل أهالي كربلاء, فقد جرت حوادث خطيرة سبقت حادثة نجيب باشا في عهدي داود باشا, وعلي رضا باشا قبل تولي نجيب باشا الذي جرت في عهده الحادثة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.