إطلالة على مراحل السجون التي مر بها الإمام الكاظم (عليه السلام)

 

يستذكر المسلون عامة لاسيما شيعة آل بيت النبوة (عليهم السلام)، في مثل هذه الأيام، إخراج الإمام الكاظم (عليه السلام) من المدينة المنورة بأمر من هارون العباسي سنة 179هـ، حيث أُنزل في سجن البصرة ثم نُقل إلى سجن بغداد.

ولم تنته مظالم أهل البيت (عليهم السلام) عند احد الائمة (سلام الله عليهم) بل استمرت حتى كادت ان تقضي على آخر الأئمة وهو الإمام محمد بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه) لولا لطف الله تعالى عليه، فتوالت الاحداث المؤلمة على أهل البيت (عليهم السلام) وصولا الى الإمام الكاظم (عليه السلام) الذي اصبحت السجون لا تنسى اثره النوراني الذي كاد ان يقلب موازين الرأي العام من مكانه الذي ازداد شرفا بقدومه فيه، نعم إنه الإمام الكاظم عليه السلام الذي ذاق ألم السجون والتعذيب ومحاولات الإطاحة بعصمته التي منحها الله تعالى له.

تعرض الإمام الكاظم عليه السلام إلى السجن مرتين بأمر من الحاكم الجائر هارون العباسي الذي اعتبر ان الإمام الكاظم عليه السلام يسبب ثقلا على كاهل دولته وذلك لما ناله الإمام عليه السلام من قوة في التأثير على الناس وتوجه الناس اليه وأصبح سببا في الامتداد الشيعي في تلك الآونة، مما أدى إلى إثارة قلق هارون وخوفه على السلطة الذي جعله يتطاول على مقام الإمام الكاظم عليه السلام وذلك بعدما التقى معه و قد غضب هارون من كلام الامام الكاظم و حمله غيضه الى اعتقاله عليه السلام و هو يصلي عند رأس جده رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يترك حرمة إلى مقام النبي محمد صلى الله عليه و آله و لا إلى حفيده و إمام زمانه، وقد ضيع على الناس أمر اعتقاله و أصبح يوهمهم إلى درجة أنه حين تم نقل الإمام صلوات الله عليه إلى البصرة أرسل جملين أحدهما إلى البصرة و الآخر إلى الكوفة لكي يوهم الناس عن وجهة معتقلي الإمام صلوات الله عليه.

فكانت وجهة الامام عليه السلام إلى البصرة وتم حبسه بها مدة من الزمن إلى أن شاع بين الناس معرفة كون السجين هو الإمام الكاظم عليه السلام فأوجس هارون في قلبه خيفة من ذلك فطلب من السجان الذي كان اسمه عيسى أن يغتال الإمام عليه السلام داخل السجن ولكنه أبى ذلك لخوفه من انقلاب الرأي العام في البصرة وطلب من هارون إعفاءه عن ذلك، ولذا أمر هارون بنقل الامام عليه السلام إلى سجن بغداد، وكان هارون من شدة قلقه من الإمام صلوات الله عليه جعل يراقبه بنفسه عن كثب.

وبعدها خرج الإمام صلوات الله عليه من سجن هارون بعد أن طالت مدة الحبس واستجابة لدعائه بعد أن قام في غلس الليل البهيم فجدّد طهوره وصلَّى لربه أربع ركعات وأخذ يدعو بهذا الدعاء:

(يا سيدي: نجّني من حبس هارون، وخلّصني من يده، يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص الروح من بيت الأحشاء والأمعاء، خلصني من يد هارون)، وبقي بعد خروجه في بغداد و لم يغادرها .

وأيضا شاع صيته في العلم و الفضائل في بغداد مما جدد الخوف والضغينة لدى هارون فاعتقله في بيت الفضل بن يحيى، فلم يرَ منه الفضل إلا كما رأوه في سجن البصرة وبغداد فكان يشغل كل وقته بالعبادة إلى الله تعالى، مما أدى إلى رفض الفضل بن يحيى اغتيال الإمام صلوات الله عليه بعد ان طلب منه هارون ذلك، فاضطر هارون بعدها إلى نقل الإمام الكاظم عليه السلام إلى سجن السندي بن شاهك وأمره بأن يعامله بكل قسوة ممكنة.

وكان هذا آخر مطاف للإمام الكاظم عليه السلام حيث دس إليه السم في تمرات بأمر من الطاغية هارون ومضى سلام الله عليه مظلوما معذباً شهيداً في قعر السجون.

ولد الإمام موسى بن جعفر [ع] في منطقة تسمى الأبواء، منزل بين مكة والمدينة، من أم تسمى حميدة بنت صاعد، وهي أندلسية، يرجع أصلها الى بربر المغرب، وكانت مشتهرة بلقب (المصفّاة)، لقبها بذلك زوجها الإمام جعفر الصادق [ع] حين قال عنها: “حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب”.

نشأ الإمام [ع] في كنف أبيه، وتولاه برعايته. فأبوه الإمام السادس من أئمة أهل البيت [ع] الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، والذي قال فيه الإمام أبو حنيفة، وهو قطب من أقطاب العلم وإمام أحد المذاهب الأربعة المعتمدة في العالم الإسلامي في الماضي والحاضر: “ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد”.

وحيث إنه الإمام المعدّ ليخلف أباه، ظهرت عليه ملامح النبوغ والفطنة وهو صغير السن.

ذكرت المصادر التاريخية أنا أبا حنيفة سأله وهو صغير: “ممن المعصية؟”، وهي مسألة فلسفية اختلف فيها كبار الفلاسفة وكتبوا فيها الكثير من المباحث.

فأجابه [ع] على البديهة: “إن المعصية لا بد أن تكون من العبد أو من ربه أو منهما جميعاً. فإن كانت من الله فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويؤاخذه بما لم يفعله. وإن كانت منهما فهو شريكه؛ والقويّ أولى بإنصاف الضعيف. وإن كان من العبد وحده فعليه وقع الأمر؛ وإليه توجه النهي، وله حق الثواب العقاب ووجبت الجنة والنار”.

أشهر ألقابه [ع] التي عرف بها هي: الكاظم. وكان يلقب أيضاً بالعبد الصالح، وفي المدينة كان يعرف بزين المتهجدين. أما بعد وفاته، فقد اشتهر بلقب غطى على بقية ألقابه وهو باب الحوائج، لما عرف به [ع] من الكرامات والمعاجز، والدعوات المستجابة.

اختلفت المصادر التاريخية في بيان عدد أولاده، وترددت جميعها بين ثلاثين، وسبعة وثلاثين، وأربعين، بين ذكور وإناث. وأشهر أولاده من الذكور هو علي الرضا [ع]، الإمام الثامن الذي خلفه في منصب الإمامة، وهو مدفون في مدينة مشهد المعروفة في إيران. أما أشهر الإناث فهي معصومة [ع]، وقد دفنت في مدينة قم في إيران أيضاً.

شهد الإمام الكاظم [ع] في حياته التي سبقت إمامته ألواناً من الظلم الذي كانت تمارسه السلطة العباسية ضد بني هاشم، وبالخصوص أهل البيت منهم. فقد شهد كيف يعامل المنصور أبناء عمومته من أبناء الحسن والحسين، وكيف كان يخضعون للتعذيب والتصفية الجسدية على يديه.

لقد كان المنصور من الخلفاء الذين عرفوا بالبطش والتنكيل بمناوئيه، حتى أن السيوطي قد ذكر في كتابه “تاريخ الخلفاء” أنه “قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه”.

وكان من فنون القتل عنده أن يدخل مناوئه في إسطوانة البناء ثم يبني عليه وهو حي داخل الاسطوانة.

وقد آلت الأمور أخيراً الى قتل الإمام الصادق من قبل المنصور بالسم في عام 148ھ. لقد عاش الإمام الكاظم   “ع” كل تلك الأحداث، وتعامل معها بالصبر والثبات ورباطة الجأش، وكان جده الإمام الحسين [ع] في ذلك المثل الأعلى الذي يُحتذى به.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.