حزب الله ..  40 عامًا من التألّق

في ذكرى تأسيسه..

 

 

المراقب العراقي/ متابعة..

تأسَّس حزب الله عام 1982  .. بعد أن تداعت القوى والشخصيات الإسلامية والعلمائية، العاملة على الساحة، إلى تشكيل لجنة مؤلفة من تسعة أفراد سُمِّيت بـاللجنة التُساعية، وهي مؤلفة من ثلاثة عن التجمع العلمائي في البقاع، وثلاثة عن اللجان الإسلامية، وثلاثة عن حركة أمل الإسلامية.  حمل التسعة وثيقة واحدة تم الاتفاق عليها بين الجهات المتمثلة فيها، تُبيِّن رؤيتهم الإسلامية، والتزامهم بخط ولاية الفقيه بقيادة الإمام الخميني قده، وإيمانهم بالعمل الجهادي المقاوم لمواجهة إسرائيل وتحرير الأرض، واستعدادهم لتشكيل إطار موحَّد، بديلًا عن كلِّ الأطر التي أنجزت وثيقة التسعة.

تشكَّل حزب الله بمباركة الإمام الخميني قده، في سنة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث واجهت مجموعات تؤمن بهذا الخط إسرائيل على مشارف خلدة، ثم في محيط مدينة بيروت، مع حركة أمل وقوى فلسطينية ولبنانية. بدأت التدريبات العسكرية المنظمة للمنتسبين إلى خط حزب الله في الزبداني في سوريا من خلال حرس الثورة الإسلامية الإيرانية، وأصبحت للحزب الناشئ قيادة هي الشورى، وتأسست مجموعات المقاومة التي كانت تعمل سرًّا حيث يتواجد الاحتلال الإسرائيلي، من دون أنْ تُدركَ إسرائيل من هم الذين يقاتلونها، إلى أنْ كانت عملية الشهيد أحمد قصير، وهي العملية الاستشهادية الأولى ضد إسرائيل في مدينة صور الساحلية المحتلة ضد مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في 11/11/1982، والتي نتج عنها تدمير المقر، وقتل وفقدان 150  من الجيش الإسرائيلي وعملائه.  لم يعلن الحزب عن اسم الشهيد لوجود عائلته في بلدة دير قانون النهر الجنوبية التي كانت تحت الاحتلال إلّا بعد الانسحاب الإسرائيلي سنة 1985، وذلك في بلدته دير قانون النهر، في احتفال حاشد في آخر شهر نيسان، كما عرضت تصويراً بالفيديو لتفاصيل العملية.

بدأ الحزب يعلن عن عملياته ضد إسرائيلبعد فترة من الزمن باسم المقاومة الإسلامية، وبدأت إسرائيل تتلمَّس مواجهةً لها من قوىً جديدة، وأنَّ إخراجَ الفلسطينيين المقاومين من لبنان إلى تونس لم يحقق هدفهم في إنهاء المقاومة في لبنان ضد إسرائيل.

عملت إسرائيل على رصد مكامن الخطر الجديد عليها، فوجدت أنَّ العلماء لهم دور كبير في التعبئة والجهاد، فاغتالت الشيخ راغب حرب قدهفي 16 شباط 1984، ثم اغتالت السيد عبد اللطيف الأمينقدهفي 15//11 1984. ولكن مع العمليات المتواصلة للمقاومة لم تستطع الاستقرار في المساحة الواسعة التي احتلتها وبقيت فيها في الجنوب، فاضطرت للانسحاب من مناطق صيدا وصور والنبطية وقرى من البقاع الغربي وغيرها مبقية على الشريط المحتل في الجنوب والبقاع الغربي والذي بلغت مساحته نحو 1100 كلم أي ما يعادل 55% من مساحة الجنوب اللبناني، و11% من مساحة لبنان البالغة 10452 كلم.

وقد قال عضو الكنيست الإسرائيلي مردخاي بار: “الجرأة البالغة لعمليات حرب العصابات الشيعية في جنوب لبنان، بل والمدى الذي لا يستهان به من النجاحات خلال الشهور الأخيرة، أثارت في أوساط الرأي العام الشعبي الإسرائيلي، المقارنة التي تطرح نفسها بين الإرهاب الشيعي والإرهاب الفلسطيني، وهناك من يعتقد أن تزايد النشاط المعادي في أوساط السكان الفلسطينيين في المناطق المحتلةخلال الشهور الأخيرة، نابع هو الآخر من وحي النجاحات الشيعية في الشمال.

وأعلن حزب الله عن حضوره العلني والسياسي في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الشيخ راغب حرب في 16  شباط 1985  من خلال وثيقة تُبيِّن رؤيته الفكرية والجهادية والسياسية اطلق عليها اسم الرسالة المفتوحة، ومعها بدأ العمل السياسي المعلن والظهور الإعلامي المواكب لعمل المقاومة الإسلامية.  كانت المرحلة الأولى سريَّة منذ التأسيس إلى إعلان الرسالة المفتوحة، وهي ضرورية للتأسيس وتنظيم بُنية الحزب ومقاومته، خاصة أنَّ المقاومة السريَّة في الجنوب ضرورة كي يبقى الإسرائيلي محتارًا وجاهلًا بمعرفة من يُقاتله، ولمزيد من حماية الأهل في المنطقة المحتلَّة، كما أنَّ اكتمال البناء الداخلي ضروري قبل البدء بالعمل السياسي المعلن والظهور الإعلامي.

امتدت المرحلة الثانية من إعلان الرسالة المفتوحة إلى زمن حل مشكلة الحرب اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عامًا وذلك في العام 1990، حيث تصاعدت قدرة المقاومة ضد إسرائيل. ولكنَّ حزب الله واجه مشكلة داخلية مع حركة أمل أدَّت إلى اقتتال الإخوة لمدة سنة ونصف، انتهت بحمد الله تعالى بالاتفاق في 9/11/1990، وهو الذي أطلق مرحلة جديدة من التعاون تُوِّجتْ بتحالفٍ فعَّال على الساحة اللبنانية، أصبح مضرب مَثَل في عمق التَّحالف والتَّعاون، وكانت له الآثار المهمة في حماية مشروع المقاومة، والتماسك الداخلي، ومازال مستمرًا صلبًا بحمد الله تعالى.

بدأت مع تَشكُّل المؤسسات الدستورية في لبنان وخاصة انتخاب المجلس النيابي عام 1992، حيث شارك فيه الحزب ترشيحًا لأول مرة، وحصل على كتلة مؤلَّفة من اثني عشر نائبًا.  لم تتعارض مشاركة الحزب في المجلس النيابي مع استمرار المقاومة وتصعيد عملياتها وزيادة فعاليتها، خلافًا لما اعتقده بعض السياسيين من إمكانية التخلي التدريجي عن المقاومة لمصلحة العمل السياسي والمواقع في تركيبة النظام، وفاتهم أنَّ مشروع الحزب المقاوم هو الأساس، وأنَّ العمل السياسي يتكامل معه لتلبية حاجات الناس وتمثيلهم، ولحماية المقاومة ومشروعها من هذا الموقع.

كانت إسرائيل قلقة من آثار المقاومة في تقييد حركة الجيش الإسرائيلي وعملائه، وتخشى منها على مخططاتها، فاغتالت الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسويقده” في الذكرى السنوية لاستشهاد الشيخ راغب حربقدهعام 1992، على طريق بلدة تفاحتا وهو في طريق العودة من الاحتفال بالذكرى في جبشيت، واستشهد معه زوجته أم ياسر وطفله حسين، ظنًّا من إسرائيل أنَّها تُضعِفُ قدرة المقاومة باغتيال رأس الهرم، ولكن والحمد لله تعالى أثمرت شهادته انتخابَ خليفة له هو سماحة السيد حسن نصر اللهحفظه المولى، الذي نقل الحزب إلى مرحلة جديدة متقدِّمة ومتطوِّرة، تتابعت فيها الانتصارات، وتراكمت فيها الإمكانات، وأصبح للحزب مكانته محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا بما فاق تصور العدو الإسرائيلي وكثيرٍ من المحللين.  لقد نَمَتْ قدرةُ حزب الله بشهدائه وعطاءاتهم وجرحاه وأسراه ومجاهديه وعوائلهم، فالشَّهادة حياة، وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، ولكنَّ أعداءنا جاهلون.

شنَّت إسرائيل عدوانًا على لبنان في25  تموز 1993  استمر لسبعة أيام، وكما قال شيمون بيريز: “إنَّ للهجمات هدفين: الذين يهاجموننا مباشرة وخصوصاً حزب الله، ولفتُ انتباه سكان لبنان والحكومات المعنية إلى ضرورة ممارسة الضغوط لوقف نشاط حزب الله، فاكتشف أنَّ المقاومة متقدمة في قدراتها وصمودها وثباتها، ما اضطرَّ العدو إلى وقف العدوان الإسرائيلي في مقابل وقف إطلاق صواريخ الكاتيوشا، وهكذا ولد تفاهم تموز كتعبير عن هذا الاتفاق الشفهي الذي تم عبر الوسطاء، من دون وجود أي صيغة خطية له.

اعتبرت إسرائيلأنها استعدت بما فيه الكفاية، وحصلت على دعم دولي مهم عندما التأمتْ قمة شرم الشيخ في مصر في 13 آذار 1996 دعمًا لـإسرائيل، وحضرها إلى جانب أمريكا أغلب دول العالم والدول العربية، فشنت حربها على لبنان في 11 نيسان 1996 بحجة الرَّد على صواريخ حزب الله ضد المستعمرات الإسرائيلية، وفوجئت مرةً جديدة بتطور قدرات المقاومة الإسلامية وتكبيد العدو الإسرائيلي خسائر لا يتحمَّلها في نقاط ضعفه، ما اضطر العدو بعد ستة عشر يومًا أن يعقد اتفاقًا خطيًّا هذه المرة، هو اتفاق نيسان، الذي وقعه لبنان الرسمي مع سوريا وفرنسا وأمريكا ومن جهة أخرى إسرائيل، وهو يعطي مشروعية للمقاومة بإقرار العدو من خلال حق الدفاع عن النفس، والحديث عن تحييد المدنيين، وهو منسجم مع تفاهم تموز بالتأكيد على عدم قصف إسرائيل للمدنيين والمنشآت المدنية في لبنان مقابل عدم إطلاق حزب الله لصواريخ الكاتيوشا واستهداف المدنيين في المستعمرات الشمالية، على أن يكون الرَّد على إسرائيل من خارج الأماكن السكنية، وهو ما ينسجم مع أداء وتوجهات المقاومة، لكنَّه مخرجٌ لإيقاف عدوان إسرائيل على لبنان.

تكثَّفت عمليات المقاومة، التي استهدفت مواقع عملاء إسرائيل على امتداد الشريط الحدودي المحتل، فأدركت إسرائيل أنَّ استمرارها في احتلال لبنان من دون جدوى، وأنَّ خسائرها المباشرة من جنودها وضباطها تتصاعد يومًا بعد يوم، فحاولت أنْ تُمهِّد الطريق للانسحاب من لبنان باتفاق معه أو مع سوريا، لكنَّها لم تحصل على شيء، فاضطرت للانسحاب ذليلة من دون قيد أو شرط في 25  أيار 2000، مبقيةً على احتلالها لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

ظنَّت إسرائيل بأنَّ انسحابها سيؤدي إلى حالةٍ داخلية في لبنان تضغط لإيقاف عمل المقاومة بمؤازرة الضغط الدولي، لكنَّ المقاومة استمرت وكثَّفت تدريباتها وإمكاناتها وزادت عديد مجاهديها وطوَّرت كفاءاتهم، واستحضرت المزيد من الأسلحة النوعية، فكان مرورُ الزمن عاملًا في زيادة القدرة المقاومة كمًّا ونوعًا، استعدادًا لأيّة مواجهة متوقعة من هذا العدو، فهو لن يسكت على خروجه ذليلًا، وهو يريد لبنان ضعيفًا بلا مقاومة، ليتسنى له أن يعتدي متى شاء، ويفرض شروطه بالتهديد العسكري والحرب على لبنان متى شاء.  لكنَّ حزب الله كان مدركًا لهذه الأخطار، لذا استمر في إعداد القوة والعدة ليوم العدوان القادم.

أربعون عامًا في مسيرة تصاعدية، وانتصارات عظيمة، وتحولات مفصلية في المنطقة، وكسرٍ للمشروع الأمريكي الإسرائيلي، واستنهاضٍ لشعوب المنطقة، وإحياء لقضية فلسطين والقدس، وارتقاء بها إلى الصف الأول كبوصلة على طريق التحرير والاستقلال.  قال تعالى:  (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.