تأريخ النفط والغاز في لبنان.. إن حكى!

 

بقلم/زياد ناصر الدين ..

فاحت رائحة الغاز والنفط في لبنان منذ سنوات معدودة، فاستقدمت معها الويلات على البلاد، وعِوَضَ أن تكون نعمة علينا، حوّلها الغرب المستأمر أمريكيّاً إلى نقمة. فمنذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الكلام الجدي عن قرار حرّ يمكّن اللبنانيين من الاستفادة أخيراً من ثروة غير محدودة طال انتظارها، حتى انصب الغرب بثقله على شواطئنا وحدودنا البحرية، يناقش في حقوقنا ويخلق الأزمات، من المشكلة الحدودية مع الكيان المؤقت المغتصب لأرض فلسطين وبحرها وسمائها، إلى خلق أزمة مالية واقتصادية خانقة تدفع بالمجتمع الداخلي نحو الانهيار. وكل هذا ليتمكن بشركاته وبلطجته من السيطرة على ذهب لبنان الأسود. ينال هو حصة الأسد ولا ننعم نحن سوى بالفتات.

لكن، هل فعلاً يوجد في لبنان غاز ونفط يمكّنانه من القضاء على أزماته، ويحوّلانه إلى بلد قوي وقادر ومستقل؟ أم أنّ الأمر مجرّد أوهام؟

للإجابة عن ذلك، لا بد من التنقيب في البدايات، ولذلك سنعود نحو 100 عام إلى الوراء، لنسرد حكاية قرن من التسويف وعدم استغلال الحقوق، وصولاً إلى يومنا هذا.

الاستكشاف والاكتشاف

في 10 آب/  أغسطس 1955، حصلت “شركة ‏الزيوت اللبنانية” على أوّل امتياز لتطوير الآبار واستخراج البترول، وقد أجرت هذه الشركة اتفاقات متعددة مع شركات أجنبية للتغلّب على الصعوبات المالية والفنية التي واجهتها.

بعدها، تم حفر 5 آبار في مناطق مختلفة من الأراضي اللبنانية بلغت كلفتها مع ‏الأبحاث حوالى 5 ملايين دولار، وهي:‏

أ‌- ‏‏”بئر يحمر” في البقاع: بدأت أعمال الحفر في شباط/  فبراير 1953، وظهرت فيها ‏تسربات أسفلتية وبوادر للغاز. وتم ردمها على ‏عمق 2672 متراً في حزيران/ يونيو، من دون معرفة السبب.‏

ب‌-‏‏ “بئر القاع” في البقاع: بدأ حفرها في تموز/ يوليو ‏‏1960 وردمت على عمق 2557 متراً في تشرين الثاني/ نوفمبر من دون معرفة السبب أيضاً، وذلك بعدما اخترق الحفر رواسب أسفلتية وعثر على كميات من الغاز والنفط.

ج‌-‏ “بئر عدلون” قرب صيدا: بدأ حفرها في ‏تشرين الثاني/ نوفمبر 1960 وردمت على عمق 2150 متراً في شباط/ ‏‏فبراير1961، وفي حين تقول مصادر إنّ الخزانات بدت مشبعة بالماء، أشارت أخرى إلى وجود غاز فيها

د-‏ ‏”بئر سحمر” في البقاع: بدأ حفرها في حزيران/ يونيو 1963 وردمت ‏على عمق 1423 متراً في آب/ أغسطس بلا سبب وجيه، رغم أنّ تركيبها يشبه ‏تركيب الطبقات التي تكوّن خزانات حقول البترول في شمال شرقي ‏سوريا وفي شمال غرب العراق. وقد أظهر الحفر شواهد غازية على عمق 180 متراً، ووصل الحفر في البئر إلى ‏آخر طاقة جهاز الحفر الصغير بدون التوغل في طبقة السيتويان.‏

في العام 2002، قرّرت الدولة البحث مجدداً عن مصادر للطاقة، فتعاقدت الحكومة برئاسة رفيق الحريري مع شركة “سبكتروم” الإنكليزية، التي أجرت مسحاً ثنائي الأبعاد غطى كامل الساحل اللبناني، وأشار تقرير الشركة إلى احتمال فعلي لوجود النفط والغاز.

لاحقاً، استكملت شركة “جي آي أس” (GIS) النرويجية أعمال البحث من خلال قيامها بمسح ثلاثي الأبعاد في الموقع نفسه. وبين العامين 2006 و2007، تواصلت أعمال البحث الجيولوجي عن النفط، إذ أجرت شركة “بي جي أس” (PGS) النرويجية مسوحات ثلاثية الأبعاد، أحدها ضمن المياه اللبنانية وآخر ضمن المياه اللبنانية – القبرصية، وأشارت إلى احتمال وجود كميات تجارية من النفط، جديرة بالاستكشاف والتنقيب، وهناك خرائط تثبت ذلك.

خط هوكشتاين

اليوم، وبعد محاولات أمريكية – إسرائيلية عديدة لسرقة ثروة لبنان، عبر أساليب احتيالية وبالترغيب والترهيب، يأتينا المفاوض الأميركي آموس هوكشتاين ببدعة جديدة، تتمثّل باعتماد خط حدودي متعرّج بين لبنان وفلسطين المحتلة، حيث تحصل “إسرائيل” على حقل “كاريش” بالكامل وتُقاسم لبنان في حقل قانا المحتمل والبلوك (8)، وذلك بعد إدخال تعديلات متعرجة على الخط (23)، وهو يمثل الحدود المعترف بها للبنان أصلاً! هذا إذا لم نرد الخوض في أن الحدود الأساسية تمتد أبعد من ذلك نحو الخط (29). ويتوقّع من لبنان الموافقة عليه والسير به، أي التنازل على الأقل عن أكثر من نصف حقوقه.

في الحقيقة، نحن بحاجة اليوم لأن نظهر قوّة لبنان في تغيير المعادلات، إذ يحظى هذا النزاع بتأييد وإجماع شعبي، وإثباتات قانونية، وملف تفاوضي قوي أعدّه الجيش، وتأييد المقاومة وحمايتها. وبات لزاماً استغلال ذلك لتثبيت الحقوق النفطية للبنان، الذي يعدّ بمنزلة ترسيم الحدود وأهميتها، والبدء فوراً بالتنقيب في البلوك (9) الذي يبعد عن الخط (1) الذي تدعي “إسرائيل” أنه يمثّل حدودها 25 كلم، وقد عملت “توتال” في إطاره عندما تم تلزيمها مع شركة “إيني” مهمة التنقيب عن النفط والغاز ثم استخراجهما، وبالتالي ما مبرر انتظار الشركة الفرنسية حتى حلّ أزمة النزاع الحدودي لتبدأ التنقيب في هذه المنطقة؟ 

المعادلة الأولى لتثبيت الحقوق هي إزالة خطوط هوكشتاين الوهمية، والشروع في التنقيب والاستخراج من “حقل قانا” قبل أن يبدأ الإسرائيلي باستخراج الغاز من “كاريش”. والشركات التي لا تقبل بذلك يمكن استبدالها بأخرى، ومن قال إنّ الشركات الروسية والصينية لا تستطيع القيام بعمل تلك الفرنسية التي تأبى التعاون؟

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.