الجواد (عليه السلام) .. المدرسة الإلهية والإمام المعجزة

في ذكرى استشهاده

 

 

لا نبالغ إذا قلنا، إن الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلامقد انفتح على خطِّ الإمامة مبكراً، بحيث كانت إمامته، مثاراً للجدل والحوار، بسبب صغر سنه، فهو أول إمام يبلغ الإمامة في طفولته، إذ عاش بعد وفاة أبيه، الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) مسؤوليّة الإمامة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف يمكن في سنِّ الصِّبا، ان يتحمّل مسؤولية ومهمة إمامة المسلمين؟ وهل حصل ذلك في الأمم السابقة؟. ان الجواب على هذا السؤال يكون كالآتي: – لا يوجد مانع من الله ان يجعل مرحلة النضج تحدث في بعض عباده قبل موعدها المقرر لمصلحة ما. وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) انه سُئِلَ عن قوله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَاقال:خَلقُ من خلق الله عزَّ وجلَّ أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله يخبره ويسدَّده وهو مع الائَّمة من بعده“. يمكن أن يَصْدُق عليه ما صدق على يحيى بن زكريا (عليهم السلام) في نبوّته، اذ أشار القران الكريم ان النبي يحيى انه بعث وهو صبي ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّااذ أكد بعض المفسرين ان كلمة الحكم في الآية بالفهم والعقل وقال بعض اخر أن المراد منها هو النبوة. بين القرآن الكريم ان النبي عيسى (عليه السلام) تكلم وهو في المهد ودافع عن أمه اذ قال ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. بحكم هذه الحقائق، كان هناك رجال إلهيون آخرون تمتعوا بهذه النعمة قبل أئمة اهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ليس مختصاً بالأئمة فقط.

لذلك اجتمع كبار العلماء المسلمين من فقهاء بغداد والامصار وقصدوا المدينة ليشاهدوا الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، واجروا لقاءات معه وطرحوا عليه اسئلة لاختباره والتأكد من أنه يتمتع بعلم الإمامة. وقد استطاع (عليه السلام) منذ حداثة سنِّه أن يُظهر ثبات الإمامة وصلابتها. حيث حيّر العقول بعلمه الوافر وإجاباته عن أعقد المسائل، وقدرته على تبيان حكم الله في شريعته، وبفعل ذلك يمكن أن نسمّيه بـالإمام المعجزة، لأنَّ إمامته انفتحت على كلِّ الواقع وهو بعده في سنِّ الصِّبا.  

تؤكد المصادر التاريخية ان الإمام (عليه السلام) نهض بأعباء الإمامة بعد وفاة أبيه علي بن موسى الرضا، وقد مارس دور التوعية والتبليغ الديني بمقدار ما سنحت به الظروف حيث كان معلمًا ومدافعًا ومربيًا عن شرائع الإسلام الأصيل، ومتصديًا لمعالجة ما يثار من شبهات وقد كان يمارس كل ذلك من خلال خطاباته ومكاتباته وإجاباته عن الأسئلة ومناظراته التي كانت تُعقد في محافل العلماء.

ثمة حقيقة تاريخية ان الإمام محمد بن علي الجواد قد ساهم طيلة مدة إمامته في اغناء مدرسة بيت النبوة العلمية وحفظ تراثها، وامتازت بالاعتماد على النص والرواية عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى الفهم والاستنباط من الكتاب والسنة، فضلا عن اهتمامه بالعلوم والمعارف العقلية واعتمد الإمام الجواد في منهجه العلمي على أساليب عدة منها على سبيل المثال لا الحصر:-

تبين الروايات ان الإمام اعتمد اسلوب التدريس وتعليم التلاميذ والعلماء وحثهم على الكتابة والتدوين وحفظ ما يصدر عن أئمة أهل البيت، فضلا عن ذلك أمرهم بالتأليف والتصنيف ومنهم على سبيل المثال صفوان بن يحيى الذي صنف العديد من الكتب منها الوضوء والصلاة والحج، الزكاة والنكاح والوصايا، البشارات والنوادر والطلاق، والشراء والبيع الفرائض.  يجب ان نشير هنا ان الرواة في عهد الامام (عليه السلام)، قد بلغ مائة وعشرة ومن ابرزهم علي بن مهزيار، وزكريا بن ادم، والحسين بن سعيد الأحوازي، واحمد بن أبي عبد الله البراقي، صفوان بن يحيى، وكان كل واحد منهم عالماً بذاته في مختلف العلوم، ولم يكن رواة الإمام الجواد من مدرسة أهل البيت فقط وانما كان هناك من السنة منهم الخطيب البغدادي الذي روى عن الإمام محمد بن علي الجواد أحاديث بسنده الخاص.  تشير المصادر ان الإمام (عليه السلام) أقام نظاماً للوكالة في غاية التنظيم والدقة، تابع فيه وكلاءه، وتسليمهم الأموال اليه، ووكالتهم في الصغيرة والكبيرة ، فكان الإمام (عليه السلام) يقف على سلوك الوكلاء في حياتهم ويتابع الشخصيات التي تقوم مقامهم في الوكالة بعد وفاتهم كقوله في رسالة لأحد وكلائه:ذكرت ما جرى من قضاء الله به في الرجل المتوفي رحمه الله يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيا، فقد عاش أيام حياته عارفاً بالحق، قائلاً به صابراً محتسباً للحق، قائماً بما يحب الله ورسوله: ومضى رحمه الله غير ناكث ولا مبدل، فجزاه الله أجر نيته وأعطاه خير أمنيته وذكرت الرجل الموصي إليه، ولم تعرف فيه رأينا وعندنا من المعرفة به أكثر مما وصفت، فضلاً عن ذلك اتبع اسلوب تعيين الوكلاء ونشرهم في مختلف انحاء العالم العربي الاسلامي ليكون دعاه الاسلام وتبليغ أحكامه، وقد بعث بهم الى الكثير من المدن منها على سبيل المثال الاحواز، همدان، سيستان، الري، البصرة، واسط، بغداد، الكوفة، وقم. اسلوب المناظرة والحوار والسبب في ذلك لأنّه أوّل من تقلّد الإمامة وهو صغير، وان الإمامة لم تثبت لكثير من العلماء المسلمين، وكانوا يطالبون عقد مناظرات وحوارات ليطلعوا على ما يحمل الإمام محمد بن علي الجواد من علم إلهي، وقد أثارت مناظرات الإمام الجواد وكلماته ومعالجته للقضايا العلميّة والفقهيّة الكبرى تقدير وإعجاب العلماء والباحثين الإسلاميين، شيعيّهم وسنيّهم، ودفعتهم إلى أن يكنّوا الاحترام له ولمنزلته العلميّة الرّاقية، فراح كلّ منهم يثني عليه.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب ابن الجوزي: “كان الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقى والزّهد والجود. ابن حجر أكد في كتابه: “كان المأمون زوَّجه ابنته لمّا رأى من فضله مع صغر سنّه، وبلوغه في العلم والحكمة والحلم ما برز به على جميع العلماء“.

وختاماً يجدر بنا ان نقول انه على الرغم من الأوضاع السياسية التي عاشها الإمام (عليه السلام) إلا انه مارس نشاطاً فكرياً واسعاً، حيث اعتمد على مجموعة من الوكلاء السريين لنشر توجيهاته السياسية وفتاويه العقائدية والتعريف بمنهجية أهل البيت (عليهم السلام) في مناطق متفرقة من العالم الاسلامي، فكانوا بمثابة دعاة للإمام مارسوا مسؤولياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية. فضلاً عن ذلك تمكن من نشر ثقافة أهل البيت على الرغم من عمره القصير الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.