عَوْدٌ على بدء.. الناتو يعتبر روسيا خصماً رئيسياً

 

بقلم/سلام العبيدي ..

قمة الناتو التي تحتضنها مدريد هذه الأيام سيكون حدثها الرئيسي اعتماد مفهوم استراتيجي جديد. هذه الوثيقة ليست بيروقراطية بطبيعتها في أي حال من الأحوال. إنها نوع من التبرير للحاجة إلى التحالف في الظروف الحالية، وللاتجاه الذي يجب أن يتطور وفقه، وهو بوصلة لبلدان محددة في التخطيط العسكري

المفهوم الاستراتيجي المعتمد في قمة الناتو لعام 2010 في لشبونة لا يزال ساري المفعول. الولايات المتحدة وحلفاؤها لم يروا أن من الضروري تغييره، حتى بعد ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. أما الآن، فهم يرون أن الزمن عفا عليه.

التغيير المفتاحي والمصيري في المفهوم الاستراتيجي بالنسبة إلى مستقبل حلف شمال الأطلسي واحد: ستتم الإشارة إلى الخصم الرئيسي في الوثيقة. وكما قال الأمين العام للحلف يانس ستولتنبرغ عشية القمة، فإنه سيعلن في مدريد أن روسيا لم تعد شريكاً، بل تهديدا لأمن الغرب الأطلسي، وكذلك للسلام والاستقرار.

لفترة طويلة، كانت هذه الحالة مناسبة للجميع في الناتو، وخصوصاً في أوروبا. في ظلّ الحديث عن أن الأمن يجب أن يفهم الآن على أوسع نطاق ممكن، خفض الأعضاء الأوروبيون القدامى في الحلف الإنفاق الدفاعي المكلف، وكذلك فعل الأعضاء الجدد. بالنسبة إليهم، كان الانضمام إلى الناتو إضافةً سهلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأيضاً، كان نوعاً من يمين الولاء للولايات المتحدة، والذي، كما كان يفترض ضمنياً، سيقرر بطريقة أو بأخرى ما يجب فعله إذا كانت سيادة دول أوروبا الشرقية مهددة حقاً

لقد أثبتت النزاعات في يوغوسلافيا والعراق وليبيا وأفغانستان، وحتى سوريا، مراراً وتكراراً أن الحد الأقصى للمشاركة في الأنشطة القتالية التي تسمح بها أوروبا هو عمليات محدودة بقوات صغيرة، ويفضل أن يكون القصف من الجو، في ظروف عجز الدفاع الجوي للعدو، وشرط أن يقوم طرف آخر بالعمل على الأرض. على سبيل المثال، الولايات المتحدة، وهذا ما أثار سخط دونالد ترامب، الذي رأى أن أوروبا بالكاد تقتنع بزيادة الإنفاق العسكري حتى بعد عام 2014، أي بعد استعادة روسيا للقرم

لقد تخلصت المجتمعات والاقتصادات في الدول الغربية منذ فترة طويلة من فكرة أنّ الحروب العالمية، على غرار حروب القرن العشرين، أمر ممكن.

وفي 24 شباط/فبراير 2022، تغير كل شيء. اتخذ الغرب مساراً لدعم كييف في مواجهتها مع موسكو. وعلاوة على ذلك، لتأمين عدم تجاوز الصراع حدود أوكرانيا. وقد حذر ستولتنبرغ بالفعل من أن نتيجة قمة مدريد ستكون زيادة حادة في الإنفاق العسكري، وحثّ أعضاء الناتو على الاستعداد لذلك. سيكون هناك أيضاً إعادة نشر وحدات عسكرية إضافية على حدود روسيا، فقد اتفق وزراء دفاع الناتو على إنشاء قوات خاصة، والتي، إذا اقتضت الحاجة، ستعزز الجناح الشرقي للتحالف.

سوف تتغير السياسة وفقاً لذلك. إذا كان هناك عدو محتمل، فسيكون هناك، كما حدث خلال الحرب الباردة، حلفاء مجبرون على الإيفاء بالالتزامات، ولكن يغفر لهم كل شيء، ما داموا يساعدون في “الحفاظ على النهج العام“.

لقد نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استشعار هذا التغيير. ليس من قبيل الصدفة أنه وعد بشكل غير متوقع بمنع التوسع الذي تم التفاوض عليه بالفعل لحلف الناتو على حساب السويد وفنلندا. كان من المقرر أن تبدأ عملية قبول هذين البلدين في التحالف على أقل تقدير في القمة الحالية في مدريد، ولكن الآن كل هذا تحت سؤال كبير. إن شروط رفع الفيتو، التي حددها أردوغان، بالكاد ممكنة، على الأقل كامل الشروط.

لحسن حظ روسيا أن الزعيم التركي لديه مصلحته الخاصة. هناك انتخابات عامة في بلاده العام المقبل. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن في المنافسة على الرئاسة، من المضمون أن أردوغان، الذي فقد شعبيته إلى حد كبير، سيخسر أمام أي مرشح من المعارضة. ويُخشى أن الزعيم الحالي سيستخدم الموارد الإدارية بلا خجل، ويتوقع أن الغرب لن يغض الطرف عنها.

صحيح أن التحالف سيبحث أيضاً التهديد الصيني المزعوم، لكن ذلك لن يرتقي إلى وصف الصين بالعدو أو الخصم، فالخصم الذي يبرر بقاء الناتو واستقطاب أعضاء جدد وإغداق المال بلا حساب على الإنفاق العسكري هو روسيا.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.