التعطش للنفط يُنسي الأوروبيين جريمة تقطيع خاشقجي

في رحلة ابن سلمان إلى اليونان وفرنسا

 

 

المراقب العراقي/ متابعة..

يحاول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أصبح وجهاً مكروهاً بين الدول الغربية، منذ مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي عام 2018، استعادة مكانته من خلال تطوير العلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية.

وفي هذا الصدد، قام ابن سلمان في الأيام الأخيرة، في أول رحلة له إلى القارة الأوروبية، بزيارة اليونان والتقى وتحدث مع مسؤولي أثينا. وتم خلال هذه الرحلة التوقيع على اتفاقية تشكيل مجلس التعاون الاستراتيجي السعودي اليوناني، إضافة إلى عدد من الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم بين البلدين. ومن بين هذه الاتفاقيات اتفاقية التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والسياحية والثقافية والطاقة.

كما قال المسؤولون السعوديون، في هذا الاجتماع، التزمت المملكة العربية السعودية بإنشاء مركز هيدروجين أخضر في اليونان، ستصبح خلاله اليونان منصة متقدمة للطاقة في أوروبا. وفقًا للتقارير، تركز اتفاقيات الطاقة بين الرياض وأثينا على قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات، واستدامة الطلب على النفط، واقتصاد الكربون الدائري، والطاقة المتجددة، وقطاع الكهرباء والذكاء الاصطناعي.

وحسب الموقع الجيوسياسي لليونان، فإن هذه الدولة هي حلقة الوصل بين الشرق الأوسط وأوروبا، ومن وجهة النظر هذه فهي ذات أهمية خاصة للسعوديين. وحسب إنجازات ابن سلمان خلال زيارته لليونان، يمكن القول، إن الاتفاقيات الموقعة في مجال الطاقة بين الجانبين يمكن أن تكون أنباء سعيدة لأوروبا في الوقت الحالي الذي يعاني فيه الغرب من أزمة الطاقة. بعد الأزمة الأوكرانية، تتطلع الدول الأوروبية إلى توفير احتياجاتها من الطاقة بمساعدة دول مثل المملكة العربية السعودية، على الرغم من أنها لم تنجح في الحصول على رضا السعوديين حتى الآن، ولكن يبدو أن قضايا حقوق الإنسان الخاصة بابن سلمان ستكون عقبة أمام التعاون المشترك، لذا فعلى الغربيين تجاهل هذه الجرائم والحصول على نقاط من السعوديين.

وعد ابن سلمان بالمساعدة في تلبية احتياجات أوروبا النفطية خلال رحلته إلى اليونان، في حين عارضت السعودية سابقًا طلب الولايات المتحدة زيادة إنتاج النفط لخفض أسعار ناقلات الطاقة. إذا كانت الرياض قد غيرت سياسات الطاقة حقًا بعد الأزمة الأوكرانية للمساعدة في تحقيق التوازن والاستقرار في الأسواق العالمية، فستواجه مشكلات مع روسيا. لأنه من أجل أي تغيير في خطة زيادة أو خفض إنتاج النفط، يجب على المملكة العربية السعودية أيضًا الحصول على رأي الروس.

بعد الأزمة الأوكرانية، التزم السعوديون بالاتفاقيات المبرمة مع موسكو في أوبك +، لكن إذا أرادوا إجراء تغييرات في سياساتهم في المستقبل، فإن هذا الإجراء سيجلب رد فعل حاد من الروس.

من ناحية أخرى، إذا زادت السعودية إنتاجها النفطي، سينخفض السعر في أسواق الطاقة، وهذا على حساب السعوديين أنفسهم، الذين عانوا من عجز حاد في الميزانية بسبب تكاليف الحرب في اليمن وهم بحاجة إلى عائدات النقد الأجنبي لتعويض هذا العجز. نقطة أخرى مهمة هي أنه إذا أرادت الرياض التوجه إلى الغرب والخروج عن الاتفاقات مع موسكو، فإن هذا سيجعل روسيا تميل نحو دول مثل إيران لموازنة أسواق الطاقة. بالنظر إلى أنه في الأسابيع الأخيرة، وقعت روسيا اتفاقية بقيمة 40 مليار دولار للاستثمار في صناعة النفط والغاز الإيرانية، فبالتالي، إذا لم تتعاون السعودية في أوبك +، فإن موسكو ستعزز تفاعلها مع طهران في مجال الطاقة.

يمكن أن يؤثر التعاون الاستراتيجي بين إيران وروسيا في مجال الطاقة بشكل كبير على الأسواق بسبب مكانتها في العالم. لطالما استخدمت روسيا عصا الطاقة لمعاقبة الدول الأوروبية، والآن إذا لم ترافق السعودية هذا البلد، فلديها خيارات أخرى لتواجهها. على الرغم من أن السعوديين قدموا وعودًا لليونانيين في توفير احتياجات الطاقة، إلا أنه لا يبدو أن هذه الوعود يمكن الوفاء بها من الناحية العملية، لأن المملكة العربية السعودية ليست على استعداد للصراع مع روسيا بسبب التوازن النسبي في سوق الطاقة، وقد كان موقفها في حرب أوكرانيا يميل ضمنيًا نحو الروس وحاولوا الانسحاب من منافسة الروس.

يمكن تحليل رحلة ابن سلمان إلى اليونان من وجهة نظر أخرى. بالنظر إلى أنه تم التوصل إلى اتفاقيات تعاون أمني وعسكري في اجتماعات مسؤولي البلدين، يبدو أن السعودية تريد تعزيز قاعدتها الدفاعية من خلال شراء أسلحة من اليونان. في السنوات الأخيرة، كانت المملكة العربية السعودية معرضة بشدة لهجمات أنصار الله بالصواريخ والطائرات دون طيار وعانت من العديد من الخسائر في هذا الصدد. لذلك فهي تحاول شراء أنظمة صواريخ من بعض الدول لتحييد هجمات أنصار الله في المستقبل. كما سيتم تعزيز الاتفاقيات الخاصة بمشاركة اليونان في مجال التعاون الدفاعي مع المملكة العربية السعودية، حيث يتمتع الجانبان بنظام صواريخ باتريوت، وهو أمر لاقى ترحيباً كبيراً من قبل الرياض.

تأتي زيارة ابن سلمان إلى اليونان وفرنسا بعد أسبوعين من زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للسعودية، عندما انسحبت واشنطن من سياسة عزل ولي العهد السعودي بسبب قضية مقتل خاشقجي، وقد كانت هذه إشارة إيجابية لابن سلمان ومرحلة ختام للعلاقات المتوترة خلال السنوات القليلة الماضية مع الغربيين، وبداية للتحسن مرة أخرى. لذلك في المستقبل، سيسافر ابن سلمان أيضًا إلى دول أوروبية أخرى من أجل إنهاء عزلته وإزالة فضيحة خاشقجي مرة واحدة وإلى الأبد، بسبب تعطش العيون الزُرق للنفط.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.