حسابات النصر والانكسار في فلسطين

بقلم/أحمد فؤاد..
في أجواء مثقلة بأسئلة وجودية كثيفة، ووسط سباق مستعر ومحاولات مستميتة لرسم خارطة جديدة للمنطقة العربية ككل، وبعد معركة هائلة في الأرض المحتلة، تستحق الدماء التي بذلت فيها ثمنًا ـ أو رصيدًا ـ يحق لكل عربي أن يتوقف اليوم لحظة لمراجعة الحسابات، قبل أن تنطلق قنابل دخان التعمية وتتناثر شظايا وركام التراشق والاتهامات، بل والأهداف الضيقة لكل طرف.
ما يحتاجه أي كشف حساب هو وضع وترتيب الأفكار والنتائج، ومقارنة المعطيات وواقع الحال بالنهاية المتشابكة والغامضة التي توقف عندها حديث النار والدم، وإلقاء الضوء الكاشف الذي يمنح الذهن المفتوح فرصة رؤية ما حدث وتقييمه بلا انفعال وبلا شطط، وتضع أمام ما تحقق قائمة بالاحتمالات التي أفلتت، وتعرف بالتالي أين تقف وإلى أين تذهب، وبالتالي فإن سؤال النصر أو الانكسار يتلخص في الإجابة عن كيفية بدء القتال، وأين يتوقف.
أفضل من أجاب عن سؤال النصر في الحرب، بشكل علمي ومنهجي، كان البروفيسور الإنجليزي ليدل هارت، عقب معارك الحرب العالمية الأولى، حين صاغ نظريته المعنونة بـ “إستراتيجية الاقتراب غير المباشر”، وفيها يجزم أن الهدف الحقيقي “ليس السعي وراء صدام عسكري فقط، لكن البحث عن وضع إستراتيجي مناسب لأحد الطرفين، وحتى لو لم يؤد الصراع العسكري إلى انتصار واضح قاطع، فإنه يهيئ الظرف الملائم لمعركة بعدها تنتزع النصر”.
باختصار، فإن الصراع العسكري جزء من الحرب، وليس هو كل الحرب، والتي تعد طبقًا لـ “هارت”، معركة إرادات متعارضة، وبالانتصارات الجزئية والاهتمام بالحرب النفسية ومتطلباتها، يمكن تمهيد الأرض للحصول على نصر نهائي، عن طريق واحد هو كسر إرادة العدو، عبر تحقق الانهيار النفسي للعدو قبل تدمير قواته المادية.
لكن، وقبل أي حساب يناقش بالورقة والقلم ما جرى على امتداد فلسطين التاريخية بالدم والنار، لا بد من وضع حقيقة أن كل عربي يملك مستقبلًا، غدًا وبعد غد، يستحق التضحيات، كما أننا لا نمتلك رفاهية البكاء طوال الوقت على أمس وأمس الأول، وفوق كل شيء، من فرط ما مر بنا فقد جفت دموعنا أو كادت.
بدأ الكيان العدواني الحرب الأخيرة، وحدة الساحات، كفرصة أرادها هروبًا إلى الأمام من أزماته، وهي عميقة متعددة ووجودية، دخلها بحكومة مؤقتة في ظل مناخ سياسي داخلي منقسم لأبعد الحدود، ودخلها بجيش فقد هيبته على الساحتين الداخلية والإقليمية، ودخلها في ظل وجود سيف “حزب الله” على رقبته، مهددًا قادرًا، ما نزع من أياديه –التي كانت طويلة يومًا- القدرة على فعل الكثير على أية جبهة أخرى بخلاف غزة.
دخل الكيان الحرب في ظل وجود الطرف العربي الخائن، مصر من جهة تحكم الحصار الخانق على القطاع، وقطر تلعب دور دافع الأموال عبر الكيان، وبالتالي توفرت العصا والجزرة، والتي ظن قادة الكيان إنها قادرة على لجم “حماس”، وتحديد مواجهتها مع حركة “الجهاد”، وكسر تلك الوحدة التي كشفته وعرت كل مكامن ضعفه في معركة “سيف القدس”، وإعادت عقرب الساعة إلى الوراء سنوات، حيث كانت تبطش ولا يقوى أحد على الرد.
هذه هي أهداف الكيان الصهيوني، سواء التي أعلنتها صحافته أو خبراؤه عبر الشاشات والكتابات، وكلها تأتي في مناخ مواتي بل مساعد على تحقيق هذا الشرخ في جدار المقاومة بفلسطين، وتمييع القضية المركزية لكل عربي وكل مسلم وكل شريف على هذه الأرض.
في المقابل، دخلت حركة الجهاد المعركة مضطرة، عقب سلسلة من الاعتقالات والاغتيالات الجبانة لقادتها، لكن سرعان ما وجدت صواريخها الطريق إلى المدن الفلسطينية المحتلة، ومغتصبات غلاف غزة، وأثبتت ـ مرة أخرى ـ فشل التقدم التكنولوجي للعدو، ممثلًا في قبته البلهاء، والتي أمكن تجاوزها ببعض التكتيكات البسيطة الذكية، ثم هي أبقت ربع المستوطنين في الملاجئ طوال أيام المواجهة.
وجاء إنجاز السلاح الفلسطيني الأبرز، بإعلان العدو إخلاء مدينة “سديروت”، ومن مصادره، لتكون المرة الأولى التي يضطر فيها إلى الانسحاب من مدينة كاملة، خوفًا من صواريخ المقاومة الفلسطينية البطلة.
وأما عن هدف شرخ جدار المقاومة في غزة، فأبسط الردود هي أن عملية تشتيت القبة الحديدية الصهيونية عن العمل يحتاج لتنسيق مكثف في المدن المستهدفة، ثم تنسيق ومعرفة كاملة بخرائط الإطلاق والتوقيتات، بشكل يجعل من اشتراك القسام في القتال أمرًا بديهيًا، سواء أعلن عنه أم لا.
ما قدمته عملية وحدة الساحات، بأكثر قدر من الاختصار، هو كسر الإرادة الصهيونية بتحقيق إنجاز ما على الأرض، يمكن تسويقه لمواطنيه ولتابعيهم من خنازير العالم العربي، والخروج من حالة الجيش المرعوب التي عاشها الكيان طوال الأعوام الماضية، فهم يجلجلون بقدرتهم على ضرب إيران، ومن ثم لا شيء، ثم يهدد وزير المالية بالقدرة على محو الضاحية الجنوبية في أي حرب مقبلة مع حزب الله، وأيضًا لا شيء، لأنه لا يستطيع الإقدام على خيار الانتحار الطوعي بمواجهة فوق قدراته.
أما عن التضحيات التي بذلها شعبنا الفلسطيني البطل، وقدمها راضيًا، طوال أيام القتال وقبله، وما سيقدمها بعده، فإنها ستظل أساطير خالدة للفداء والسير على طريق الحسين (ع) في أيام تحفظ سيرة الدم الزكي وترفع أصحابه درجات فوق درجات.
ويبقى الدور الأقذر، في كل مواجهة عربية ـ صهيونية، محجوز حصرًا لأنظمة التطبيع العربية، أنظمة الخيانة والبيع والارتماء تحت أقدام العدو، من قطر بغواية المال إلى مصر بورقة المعبر، ثم الهرولة التاريخية الرسمية نحو التطبيع، والتي تركت الفلسطيني على الأرض بلا وقود الدعم النفسي للصمود، تركته حيران آسفًا من كل هذا السقوط العربي البشع.
ما نحن بحاجة إليه بالضبط، خرج به إلينا سماحة السيد حسن نصر الله، في إطلالته الكريمة لمناسبة يوم التاسع من المحرم، وقبل أن تبرد الجبهة ويتوقف تمامًا سيل الصواريخ المنهمر على الكيان الصهيوني من اليد الفلسطينية العالية، والقادرة، بقوله: “المقاومة في فلسطين كما في لبنان تستطيع أن تدافع عن شعبها وتثبت معادلات الحماية والردع وفرض الشروط على العدو”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.