بين استفزاز بيلوسي وغضب الصين ..حلفاء أمريكا الآسيويون تُرِكُوا في العراء

 

بقلم/د. علي دربج..


بعيدا عن  الجوّ المشحون والمأزوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية الذي خلّفته زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان مطلع الأسبوع الماضي، وما أنتجته من تصعيد صيني كانت أولى اشاراته، إلغاء خطوط الاتصال مع الجيش الامريكي، الا ان التداعيات والأضرار الاستراتيجية لهذه الخطوة الامريكية الاستفزازية ـــ المنسّقة مع الإدارة الامريكية التي تذرعت بالفصل بين السلطات لرفع المسؤولية عنها، واوحت للعالم بصعوبة التعامل مع شخصية بيلوسي التي تتصف بالنكدّ والعناد ـــ على حلفائها في تلك المنطقة، أكبر من تحتويه التصريحات المطمئنة للمسؤولين الأمريكيين.

فما هي الاستراتيجية التي اعتمدتها واشنطن لمواجهة بكين في منطقة المحيط الهادي؟

في الواقع، صرفت إدارة الرئيس جو بايدن شهورًا في بناء استراتيجية اقتصادية ودبلوماسية في آسيا، وعمدت الى دعم تحالفاتها وطمأنة الدول الصديقة أن الولايات المتحدة موجودة في المنطقة على المدى الطويل، لمواجهة الصين.

ولهذه الغاية بذلت الولايات المتحدة جهودًا استراتيجية لاحتضان الحلفاء في تحالف أكثر تماسكًا، مع الأسس العسكرية والدبلوماسية.

وما هي رؤية اصدقاء امريكا لزيارة بيلوسي؟
كان لزيارة بيلوسي، وقعا مختلفا على اصدقاء امريكا الآسيويين الذين عبروا عن مخاوفهم من ان هذه الرحلة (التي تضمنت أيضًا توقف في) كوريا الجنوبية واليابان، هي استفزاز غير ضروري، يصرف الانتباه عن جهود الحلفاء لمواجهة القوة العسكرية للصين ونفوذها الاقتصادي.

وفي حين أن حلفاء الولايات المتحدة آثروا الصمت إلى حد كبير بشأن الزيارة حتى الآن ، غير ان هناك شعورا بين أصدقاء أمريكا بأنهم تركوا في العراء ليشاهدوا الصين تهدد الولايات المتحدة وتايوان.
ردة فعل بكين تجاه زيارة بيلوسي، أدخلت القلق والجزع في قلوب حلفاء امريكا الاسيويين، عن قصد أو بغير قصد، بحيث انها أظهرت قوة الصين، وقلّلت من دور الحلفاء. زد على ذلك، ان هؤلاء الحلفاء اعتبروا ان مجرد تحول رد الصين المحتمل إلى نقاش ساخن في واشنطن، كشف عن صعود مكانة الصين. اما الاكثر اهمية، انهم قرأوا في كل ما جرى (بشكل واضح) تردد واشنطن على نطاق واسع بالفعل في المنطقة، وعدّوا ذلك إشارة دبلوماسية سيئة للغاية قادمة من واشنطن إلى حلفائها وشركائها في المنطقة.
ماذا عن استراتيجية بكين المقابلة للمنطقة؟

عمليا، استثمرت بكين بعمق وماليا ودبلوماسيا في خطط طويلة الأجل للسيطرة على المنطقة. ولهذا تحاول الصين (وما زالت) استمالة جيرانها الآسيويين، وتقدم نفسها على أنها شريكهم الطبيعي من خلال الموقع الجغرافي والقواسم المشتركة الثقافية التي تجمعهم. كما انها بالمقابل، تعمل على إقناع جيرانها بأن الولايات المتحدة، قوة بعيدة و متداعية ، مع نظام سياسي معطل، ومن المحتم أن تفقد نفوذها في آسيا.
ولهذا كان لافتا، اقتراح وزيرة الخارجية الأسترالية، بيني وونغ، في 3 آب/ أغسطس الجاري عندما دعت جميع الأطراف، وليس الصين فقط، إلى التراجع. وقالت وونغ: “يجب على جميع الأطراف التفكير في أفضل السبل للمساهمة في تهدئة التوترات الحالية ، ونحن جميعًا نريد السلام والاستقرار في مضيق تايوان“.

هل يمكن لدول منطقة المحيط الهادي تحمل استعداء الصين لهم؟

عمليا، تعتمد اقتصادات العديد من حلفاء أمريكا في المنطقة، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، اعتمادا كبيرا على الصين.  إذن حوالي ثلث صادرات أستراليا تذهب إلى الصين.

وعلى الرغم من العلاقات الدبلوماسية السيئة بين واشنطن وسيدني، تحسنت العام الماضي، الا ان مبيعات سيدني من خام الحديد، وهي مادة خام رئيسية للصناعة الصينية، قد ارتفعت. والآن، يحاول مصدرو “النبيذ” والفحم والكركند في أستراليا إعادة منتجاتهم إلى السوق الصينية، بعد ان جرى حظرها خلال العامين الماضيين من قبل بكين، في اعقاب دعوة الحكومة الأسترالية إلى إجراء تحقيق دولي في أصول COVID-19، الذي ظهر لأول مرة في الصين.

علاوة على ذلك، لا تزال الحكومة الصينية تفرض عقوبات اقتصادية على كوريا الجنوبية لسماحها للولايات المتحدة في عام 2017 بنشر نظام دفاع صاروخي يعرف باسم “ثاد”. وفي أعقاب  تصريح للزعيم الكوري الجنوبي الجديد، يون سوك يول، قال فيه مؤخرا، إنه يفكر في دفعة ثانية من النظام، هددت الصين بفرض المزيد من العقوبات.
في المحصلة، وبينما تستعد  الآن الدول الاسيوية في المحيط الهادي لتداعيات زيارة بيلوسي، فإن التوترات المتزايدة بين القوتين العظميين أثارت في النهاية تساؤلات من قبل اصدقاء أمريكا الاسيويين، حول جدّية الرئيس بايدن في ممارسة سلطة فعلية على بيلوسي. فإذا كان بايدن عاجزا بنظرهم عن إلزام مسؤولة امريكية أدنى مرتبة منه في السُلّم الوظيفي بعدم الذهاب الى تايوان، فكيف له أن يلجم عنهم غضب الصين.. ولهم في أوكرانيا عبرة؟!

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.