أفول

حسام الطفيلي..
رغم أن بيت الحارس مبني بالآجر الجميل الا أن حديقته تملؤها الأشواك والأدغال التي تطاولت حتى غطته لتشكل واجهة غريبة ذات ظلال مخيفة، فهو مواظب على عمله بحراسة المحطة الصغيرة والاشارة الى سائق القطار بعدم وجود مسافرين كما جرت العادة، فلم يسبق أن حدث و لو لمرة أن ركب احدهم ليتجاوز حدود قريته، وقد حفظ السائق تلك الاشارة فيستمر في طريقه، يقطع ذلك القطار المضيء للطرف البعيد لقريتي التي تحيطها من بقية الجهات مسطحات مائية راكدة، يطلق صفيرا عاليا ثم يتركها تقبع في الظلام…
مذ كنت صغيرا اتحين الفرصة لأشيعه بنظراتي، تكبر في ذاتي تلك الوجوه التي تلألأت تحت أضوائه البيضاء، ومنظر تلك الطفلة التي تمسك كتابا أشارت به لي ثم رمته بإتجاهي، كان يحوي الكثير من الصور عن قصص تحدث في الفضاء البعيد، من يومها لم أنم ابدا.
يشدد شيخ القرية على التعبد بالعادات و التقاليد، ويحذر مرة بعد أخرى من التهاون فهي هويتنا وسر وجودنا الذي لا وجود بعده، وأنه يحلم كل مرة بأنها ستخرق، يتزمت الجميع تزمتا مواكبا لحالته، كل سنة نقيم احتفالا للأحتفاء بها، نذكر أجدادنا ونجدد العهود ونقبل يده.
لم تكن هناك مدرسة حتى فهذا معناه دخول المعلمين الأغراب، لذلك كانت تلك البناية المكونة من أربع غرف مكانا مهجورا و مرتعا لبهائم الشيخ فلم يلتحق بها أحد، ولا مستوصفا فأبو نايف وزوجته قديران في طب العرب…
كبرت الآن وكبرت معي أحلامي، وقد أعددت العدة لركوب القطار، قبل موعد دمغي بدمغة الخنوع. ثم الزواج من ابنة عمي وانجاب الكثير من الصبية ليرعوا مواشي شيخنا المعظم، فصورة تلك الطفلة كانت تجسيدا لفتاة أحلامي، حملت المجلة الصغيرة المصورة، ووقفت في المحطة، نظر الي الحارس باستغراب شديد، بينما نظرت الى ساعة المحطة وقد آن أن تلتحم عقاربها لتشكل واحدا كبيرا، اذن المرة الوحيدة التي وقف فيها أحدهم بنية الصعود أهمل السائق اشارة الحارس الحمراء بينما تناوشته الجلاوزة وحضّروه للرجم بتهمة الارتداد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.