سفر الوقت

مهاب حسين..
تنتصب في فضاء ممدود، كنتوء دمل في وجه رمضاء مستعرة. أطلقت أمي البخور، قبلتتي، أهدتني سورة يس، والمعوذتين.
ربت خالي على كتفي:
– طلّت البارودة، والسبع ماطلّ.
انسللت من قتامة المخيم، اجتزت دهاليزاً تحت الأنقاض، تعثرت في أشلاء وركام!. شارفت أول المدينة.
عبرت صفوف من الدكاكين الصغيرة والمتقاربة، أندسست بيسر وسط جحافل عطنة.
رقبت تدفقهم في الليل يتطوحون في لغط وصياح ومجون وعربدة.
“وفي الصباح.. يمتشقون البنادق والهراوات. يثقبون الجماجم، يهصرون العظام بلا رحمة، بدم بارد كذئاب مسعورة”.
حانت مني التفاتة..
حفلت بومضات خاطفة متتابعة.. توكأ الزمن بعصا سحرية، فأنجب سخريات معذبة..
تتراءى المشاهد والوجوه: أمي، أبي، أخواتي، ثم تنفرج مضببة عن سياج بيتنا القديم دون غيره، سهل يفوح بالخضرة، شجيرات زيتون ناتئة..
عهد بعيد لازلت أذكره!.
نستحم ببحيرة طبرية، فيرمقنا نخل بيسان بشمم، تداعبنا ثمرته اليانعة.
أحقاً.. كنا هناك!
القهر يصبغ الذكريات بلون قاتم..
الجد يغمره تيار الشمس، أبان قيلولة العصر:
– تشبث بذاكرتك، حتى الخراريف!.
تلتف القبائل والعشائر في سفح تل مقمر، ناشدين:
“خايف يا ظريف تروح وتتملك..
وتعاشر الغير وتنساني أنا!”.
انبلج النور بغتة..
تدافعت حولي ملامح تضحك وتبكي، انبثق من النور كائنات تلهث، تحدثني بصمت أفقه، تتفتت، ثم سرعان ماتتجمع، تتجسد، تجتاحني، تؤمرني فأنصاع، نتوحد في كتلة واحدة سامقة.
صدى صوت يصدح، يرتفع!.
أحلق كغيم، كغيث أنهمر. يحل صمت مطبق، مفعم بسكينة وراحة مهدهدة بنعاس!.
انتشروا كزبد السيل بحافلاتهم وعتادهم مذعورين.
بلغة عربية فصيحة تمت الإدانة!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.