إطلالة تأريخية على فاجعة قطع رؤوس شهداء الطف

 

يبقى يوم عاشوراء الخطب الأعظم والفادح الأجل، فلا يوم كيوم أبي عبد الله الحسين عليه السلام، حيث المصائب العظمى التي جرت فيه مما يعجز القلم عن توصيفها ويكلّ اللسان عن الإفصاح بها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

فاجعة مقتل أولاده عليه السلام وأصحابه وأبناء عمومته، وعطشه الشديد الذي لو خُلّي عليه السلام  هو والعطش لمات عطشاً، وحينما وقف الإمام عليه السلام  يستريح، أصابه حجر بجبهته المقدّسة، فسالت منها الدماء، ولمّا أخذ ثوبه الطاهر ـ ليمسح الدم عن جبهته ـ أتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث شعب، فوقع في قلبه الشريف فأخرجه من قفاه وانبعث الدم كالميزاب، ثم جاءه مالك بن نسر، فضربه بالسيف على رأسه، ومن ثم بدر إليه الشمر الملعون، فرفسه وطعنه واحتز رأسه المقدس!!

ولم يقف حقدهم وإرهابهم عند هذا الحدّ، بل تمادوا في غيّهم وعمدوا إلى جريمة التمثيل والتنكيل بالجسد الطاهر، وبادروا بعدها إلى حرق الخيام وترويع العيال، وسلبهم وسبيهم من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام على نوق هزّل عجاف.

أمّا ما يخصّ مسلسل التمثيل بالأجساد الطواهر ـ وهو ما يرتبط بمحلّ بحثنا ـ فقد تمثّل بعدّة صور ومشاهد وجرائم مؤلمة:

أوّلها: جريمة حزّ الرؤوس، حيث بدأوا برأس الإمام الحسين عليه السلام ، ومن ثم رؤوس أهل بيته وأغلب أصحابه، بل رُوي أنهم عمدوا إلى ابنه عبد الله الرضيع فاحتزوا رأسه.

وثانيها: سلب الجسد الطاهر، حيث بلغ القوم القمّة في التسافل، فسلبوا الحسين عليه السلام  بعد قتله مباشرة بأخذ قميصه وعمامته ونعله وخاتمه، بل همّوا بسلب سرواله، إلّا أنّ المشيئة الإلهيّة الغيبيّة تدخّلت ومنعت من حصول ذلك.

وثالثها: رضّ الجسد الطاهر للإمام الحسين عليه السلام بحوافر الخيل، حينما نادى ابن سعد لتطأ الخيلُ صدر الحسين عليه السلام وظهره.

نعم، قد ناقش صاحب البحار في أصل وقوع هذه الجريمة ـ بعد نقله للرواية ـ بقوله: المعتمد عندي ما سيأتي في رواية الكافي من أنه لم يتيسّر لهم ذلك. لكنه في مرآة العقول صرّح بضعف رواية الكافي، وأكّد في منتهى شرحه للحديث بالقول: «وبالجملة: الخبر لا يخلو من تشويش واضطراب لفظاً ومعنى»، والمصادر التي تثبت الواقعة من الفريقين كثيرة بما لا يبقى مجال للشك في حدوثها.

ورابعها: ترك الأجساد الطاهرة عارية على الرمضاء، من غير غسل ولا كفن ولا دفن، فقد بقي جسد الإمام الحسين عليه السلام  مع أجساد الشهداء من أهل بيته وأصحابه في صحراء كربلاء تصهرهم حرارة الشمس إلى اليوم الثالث عشر من المحرم، حيث جاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وتولّى مواراة الأجساد الطواهر، على ما هو عليه اليوم من مدفنهم، بمعونة بعض مَن حضر معه من بني أسد.

وخامسها: الطواف برأس الإمام الحسين عليه السلام  ورؤوس أهل بيته وأصحابه في سكك الكوفة، وحمل الرؤوس على أسنّة الرماح وإهدائها إلى الطاغية يزيد بن معاوية في بلاد الشام، ولعلّها الواقعة التاريخية الفريدة من نوعها، حيث التمثيل واستعراض مجموعة كبيرة من الرؤوس ـ يبلغ عددها اثنين وسبعين ـ على أسنّة الرماح من كربلاء إلى الكوفة ومن ثم إلى بلدان عدّة، حتى وصولها إلى بلاد الشام.

ومن مشاهد التمثيل ما قام به الملعون عبيد الله بن زياد من نكث ثنايا أبي عبد الله عليه السلام  بقضيب الخيزران متشمّتاً متشفّياً مستهزئاً، وتكرّرت هذه الجريمة أيضاً في الشام من قِبَل اللعين يزيد بن معاوية، حينما وُضِع رأس الإمام الحسين عليه السلام  بين يديه فأخذ يقلّبه بعصا من خيزران متمثّلاً بأبيات ابن الزبعرى قائلاً: «ليت أشياخي ببدر شهدوا….». فيالها من جرائم بشعة وبدع مستحدثة لم يسبق لها ذكر في التاريخ! فالتاريخ قد تضمّن جرائم كثيرة وعمليات إرهابية عديدة، شملت القتل وسفك الدماء والنهب والسلب والمُثلة، كما حصل لسيّد الشهداء عمّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حمزة بن عبد المطلب عليه السلام ، حينما أكلت هند اللعينة كبده الشريف، ولكن واقعة كربلاء فاقت كل تلك الوقائع التاريخيّة، وتجلّت فيها أبشع مظاهر الإرهاب والجريمة، وزيادة على تلك الجرائم كلّها عمدوا للإبقاء على الرأس الشريف يدور في أروقتهم، وقد شاء الله تعالى أن يُحدث الرأس المبارك وبقية الرؤوس الشريفة انقلاباً وثورة عارمة على سياسة أُولئك الطغاة، وهذا ما دعاهم للتفكير في إخماد ذلك وتهدئة الناس والمحبين، فأمر الطاغية الأُموي بإرجاع الرؤوس الشريفة مع الإمام زين العابدين عليه السلام  وبقية العيال، فقام الإمام عليه السلام  بدفن الرؤوس مع الأجساد في غاضرية كربلاء يوم الأربعين (العشرين من صفر). فبقيت الرؤوس الطاهرة أربعين يوماً بلا دفن ولا كفن، وهل يوجد إرهاب أفظع من هذا؟! وهل توجد واقعة أمرّ وأمضّ من تلك الواقعة؟! كلا! بل هي الأُولى من نوعها، ولم يذكر لنا التاريخ ما يقاربها فضلاً عن مماثلتها.

حينما نتأمل في مثل هذه الأفعال الإجراميّة ـ المتمثّلة بالقتل وقطع الرؤوس والتمثيل بها وإهدائها للطغاة ـ نجد أن هناك مجموعة من العوامل والأسباب والأهداف السياسيّة والاجتماعيّة تدعو المجرمين والطغاة لممارسة هذه الجريمة، وهي أهداف تتجاوز مرحلة استهداف النصر في المعركة، بل يسعى الطغاة لتوظيف جرائمهم وجعلها عِبرة رادعة لكلّ المناوئين والمعارضين لحكوماتهم الجائرة، وكلّ مَن يفكر بتحريك الرأي العام والقيام بثورة مناهضة لهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.