العقيدة البحرية الروسية.. نقطة تحوُّل في مواجهة الهيمنة الأمريكية

 

بقلم/عبد الله بن عامر ..

بتاريخ 31 تموز/يوليو 2022م، صدر المرسوم الرقم 512 والخاص بالعقيدة البحرية للاتحاد الروسي، على أن يُعمل به من تاريخ صدوره، وتُلغى العقيدة السابقة والصادرة في 17 حزيران/يونيو 2015م

الجديد في عقيدة عام 2022

الفارق بين العقيدة الجديدة عام 2022م وعقيدة عام 2015م هو شمولها الجانب العسكري، كنقاط التمركز والقواعد العسكرية ومراكز الدعم اللوجستي ضمن الخريطة العالمية، والتعاون العسكري مع الحلفاء، بالإضافة إلى تطرّقها إلى التهديدات والتحديات الماثلة أمام الأمن القومي الروسي، وعلى رأس تلك التهديدات الولايات المتحدة الأميركية، بينما طغى على عقيدة عام 2015م البعد الاقتصادي، وإن كانت تطرّقت إلى الناتو كتهديد وتحدٍّ

عطفاً على ذلك، فإن روسيا تمضي وفق استراتيجيا شاملة على صعيد بناء قوتها العسكرية. فهذا التدرّج، خلال عقدين من الزمن (2001- 2022م)، يشير إلى رؤية واضحة لدى القيادة الروسية لفرض واقع عالمي جديد، وهذا بالتأكيد لن يحدث من دون خوض الصراع مع الولايات المتحدة الأميركية في ميدان قوتها الأول (البحار والمحيطات). فروسيا، الدولة المصنَّفة في نظريات الجيوبوليتك دولةً برية، باتت تتجه إلى منافسة الولايات المتحدة المصنفة كقوة بحرية. وتعمّدنا هنا الإشارة إلى روسيا كدولة بحرية، باعتبارها تمتلك سواحل طويلة، لكنها لم تصبح بعدُ قوة بحرية تضاهي القوة الأميركية نتيجة أسباب يطول شرحها. ومَن يقرأ تاريخ روسيا، في نسختها السوفياتية، وحالياً الاتحاد الروسي، فسيدرك كيف أن ثوابت الجغرافيا ساهمت في إعاقة التحرك الروسي ضمن متغيرات التصعيد الغربي، الهادف إلى محاصرة الأسطول البحري الروسي، وبالتالي تقييد حركة روسيا عبر البحار والمحيطات

كسر الهيمنة الأمريكية على العالم

تستند الهيمنة الأميركية إلى ما تمتلكه من أساطيل بحرية تصل إلى مختلف البحار والمحيطات، وهذا يجعلها تخوض معاركها بعيداً عن أرضها، وتمارس نفوذها على البر من خلال حضورها الطاغي والمهيمن على البحار والمحيطات، وما يرتبط بذلك الحضور من قواعد عسكرية موزَّعة على مختلف البلدان. وبالتالي، فإن البحار والمحيطات هي أهم ميدان لخوض المعركة مع الولايات المتحدة، باعتبارها من يحتكر الهيمنة على هذه المناطق منذ صعودها على أنقاض التراجع البريطاني في منتصف القرن الماضي. وظلت الاستراتيجية الأميركية تتعامل على أنها قوة بحرية يمكنها الوصول إلى أي نقطة في العالم من خلال البحر، وعمدت إلى تعزيز قوتها البحرية لمحاصرة القوى الأخرى، ومنها الاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا الاتحادية حالياً.

وتضمنت التحديات والتهديدات إشارات واضحة إلى تعزيز الناتو قواته وتوسعه إلى حدود روسيا، ورغبة واشنطن في تحقيق التفوق الساحق من خلال القوات البحرية. وهذا يعني أن روسيا، الواثقة بقدراتها العسكرية النووية والبرية والجوية، تتجه نحو استكمال تلك القدرات بالتقدم في تعزيز موقفها، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، من خلال بناء قواتها البحرية وتطويرها، باعتبارها النقطة الأضعف في ميزان القوة بين الدولتين

وترجمةً لمبدأ التدرّج، استناداً إلى عوامل القوة والظروف الموضوعية ومستوى التطور في تنفيذ الاستراتيجيات، نجد كيف أن العقيدة البحرية وضعت البحار والمحيطات ضمن أولويات السياسة البحرية، وبحسب أهمية كل بحر ومحيط، ومدى ارتباط كل منهما بالساحل الروسي، أو علاقته بطرق المواصلات البحرية عبر العالم. فكان على رأس الاهتمامات الروسية ما تطل عليه روسيا من بحار ومحيطات. فعلى رأس الاتجاهات الإقليمية للسياسة البحرية الروسية ما يتعلق بمناطق القطب الشمالي والمحيطين الهادئ والأطلسي، وما يرتبط بهذه المنطقة من بحار متصلة، كبحار البلطيق وآزوف والبحر الأسود وأحواض البحر الأبيض المتوسط، واتجاه إقليمي لبحر قزوين، وهو بحر مغلق، وكذلك المحيط الهندي والقطب الجنوبي، وتحديد الاتجاهين استناداً إلى الخصائص الجغرافية والاقتصادية وأهميتها الجيوسياسية والعسكرية الاستراتيجية بالنسبة إلى روسيا

ووضعت العقيدة لكل منطقة السياسات المتوجب اتباعها فيما يتعلق بهذه المنطقة، من أجل حماية المصالح الروسية والاستفادة منها، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وهو ما يمكن أن نتناوله بشيء من التفصيل، استناداً إلى أهمية كل منطقة ومكانتها في الصراع بين القوى العالمية والنتائج المتوقعة من التوسع البحري الروسي في الخريطة العالمية، بالإضافة إلى تساؤل مهم يتعلق بالمضائق البحرية بين البحرين المتوسط والأسود، والعلاقة بتركيا في ظل التطورات الحالية، ولماذا لم تتوقف العقيدة البحرية الروسية عند هذه النقطة على الرغم من أهميتها؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.