هل ينقل اتفاق الدوحة تشاد إلى التوافق الوطني المُفضي إلى الاستقرار؟

 

بقلم/ محمد حسب الرسول ..

بعد رعايتها الحوار بين الحكومة السودانية ومعظم حركات دارفور، التي حملت السلاح ضد الدولة في السودان، وبعد نجاحها في إدارة الحوار بين الأطراف المعنية، والذي تمخّض عن اتفاقية سلام دارفور، التي تم توقيعها في الدوحة في أيار/مايو 2011، وليس بعيداً عن إقليم دارفور، قامت دولة قطر برعاية مباحثات سلام بين السلطات الانتقالية في تشاد وعدد من الحركات والأحزاب التشادية المعارضة، وكررت النجاح الذي حققته في ملف دارفور، وتمكنت من تقريب وجهات النظر بين مواقف الحكومة والمعارضة، وأثمر ذلك عن توقيع اتفاق إطاري بين الأطراف التشادية، التي شاركت في الحوار الذي رعته الدوحة منذ آذار/مارس، واستمر حتى اليوم الثامن من هذا الشهر.

فتح حوار الدوحة واتفاقها الإطاري صفحة جديدة في تاريخ السياسة داخل تشاد، التي عُرف حسمها للخلافات السياسية فيها بالقوة العسكرية. لذلك، فإنّ هذا الحوار يؤسس مرحلة جديدة في التاريخ السياسي لتشاد ولأطراف المعادلة السياسية فيها.

حمل اتفاق الأطراف التشادية، التي توافقت في قطر، اسمَ “اتفاقية الدوحة للسلام ومشاركة الحركات السياسية العسكرية في الحوار الوطني الشامل السيادي في تشاد”. ومن أبرز بنوده:

–         وقف الأعمال العدائية بصورة تامة ونهائية بمجرد التوقيع على الاتفاق، وذلك بالتزام الأطراف الموقعة عدمَ استهداف بعضها البعض، في الداخل أو الخارج.

نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.

 تدبير بناء الثقة والترتيبات الأمنية، بحيث اتفقت الأطراف على أن يضمن المجلس العسكري لقادة الحركات وأعضائها اعتماد – وتطبيق – قانون عفو يشمل كل الإدانات القضائية والتهم المتعلقة بالمشاركة في التمرد أو الاعتداء على أمن الدولة وسلامتها، بالإضافة إلى التدابير اللازمة لضمان السلامة الجسدية لأعضاء الحركات الموقعة على الاتفاقية وممتلكاتهم وأقربائهم عند عودتهم إلى تشاد، فضلاً عن وضع نظام خاص لمندوبي الحركات وترتيب سهولة انتقالهم وحرية إنشاء حزب سياسي لمن يرغب منهم في ذلك.

–   إطلاق – وتنظيم – حوار وطني شامل، تكون قراراته ملزمة لجميع الأطراف، وتكون إدارة أعماله على أساس توافقي وشفّاف وشامل، يُرضي جميع الأطراف المشاركة، وينفتح على مناقشة الأجندة الوطنية كافة. ويُزمع عقد هذا الحوار في العاصمة التشادية، أنجمينا، نهاية هذا الشهر، برعاية قطرية وأفريقية.

قابل المجتمع الدولي هذا الاتفاق بإيجابية، بحيث أعرب الاتحادان الأفريقي والأوروبي وواشنطن عن الترحيب باتفاق الدوحة، بصفته فرصة تاريخية في سلام دائم في تشاد. كما أثنى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على الأطراف التشادية بسبب جهودها في تحقيق السلام، وعلى توقيعها “اتفاق سلام” في الدوحة، مؤكداً أن هذه الخطوة لحظة مهمة للشعب التشادي، ومنعطفٌ رئيس في تاريخه. وقال غوتيريش، في رسالة مسجّلة عبر الفيديو، وجّهها إلى المشاركين في حفل توقيع الاتفاق: “أريد أن أُثني على الأطراف التشادية؛ السلطات الانتقالية والجماعات السياسية العسكرية، بسبب جهودها في السعي لتحقيق السلام، الذي يؤتي ثماره اليوم”. وشدّد غوتيريش على ضرورة أن يكون الحوار “جامعاً” لكل الأطراف كي يكون ناجحاً.

وأشادت الخارجية الأميركية بتوقيع اتفاق السلام التشادي في الدوحة، وأثنت على دور كل من قطر والحكومة التشادية الانتقالية والأطراف السياسية والعسكرية في هذه العملية، وحثت جميع الجماعات التشادية على الانضمام إليها من أجل ضمان السلام والازدهار والاستقرار.

من جانبه، أكد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن الدوحة لن تدّخر جهداً لتأكيد المحافظة على السلام في تشاد، وأضاف: “نتطلّع بقوة إلى أن يكون اتفاق السلام نقطة تحول في طريق الاستقرار في البلاد”. وأعرب عن أمله أن “تلحق سائر المجموعات التشادية الأخرى برَكْب السلام لتحقيق تطلعات الشعب“.

وفي وقت سابق، أعربت فرنسا عن تمسكها بإجراء حوار وطني، في أقرب فرصة، بهدف الوصول إلى مصالحة في تشاد، وأكدت دعمها جهود السلطات والأطراف التشادية في هذا الاتجاه، بدعم من قطر وشركاء تشاد الدوليين.

من جانبه، أكد رئيس المجلس العسكري في تشاد، محمد إدريس ديبي، أهمية الاتفاق، وقال إن الحوار خطوة أولى نحو التخطيط لانتخابات طال انتظارها. وعلى الرغم من أن كلمة الرئيس الانتقالي تحمل في طياتها التزاماً بشأن الاتفاق، وتتضمن اعترافاً بالمعارضة، كما تتضمن تعويلاً على الاتفاق كرافعة تنقل بلاده إلى منصة التحول الديموقراطي، فإن ذلك وحده لا يكفي، وإن هذا الاتفاق يواجه تحديات كبيرة في مسيرته ليبلغ غايته في تحقيق السلام والاستقرار والتداول السلمي للسلطة في بلد أنهكته الحروب، ولم يعرف الاستقرار منذ نيل استقلاله عن فرنسا في 11 آب/أغسطس 1960.

على الأطراف التشادية أن تدرك حجم التحديات التي تواجه هذا الاتفاق، الذي فتح آفاقاً للتسوية والتعايش، سياسياً وجهوياً وإثنياً، وعليها حشد الطاقات لمقابلة تلك التحديات الكبيرة التالية:

–  التحديات الخارجية التي تتمثّل بحالة الاضطراب في المحيط الحيوي لتشاد: السودان، ليبيا، أفريقيا الوسطى، النيجر، نيجيريا، الكاميرون ومالي. ومن هذه التحديات التنافس الدولي في الإقليم، وبصورة خاصة التنافس الروسي الفرنسي، بالإضافة إلى التنافس القطري الإماراتي، والتنافس والصراع الكبيرين على السيطرة على غربي أفريقيا بين القبائل العربية والأفريقية.

–         التحديات الداخلية المتمثلة بانعدام الثقة بين الأطراف التشادية، والذي تعزز بسبب إطالة أمد الصراع بينها وما خلّفه من مظالم، وعدم مشاركة كل الحركات في اتفاق الدوحة، فضلاً عن ارتباط هذه الأطراف بأجندات خارجية ذات صلة بالصراعات والمنافسة الإقليمية والدولية على المنطقة.

حريّ بالساسة التشاديين أن يدركوا أن هذا الاتفاق يمكن أن يؤسس تاريخاً جديداً في بلدهم، وأن يساهم في صناعة مستقبلها الذي يتطلع إليه شعبها، وأنه يتيح لهم فرصة تاريخية في تقديم أنموذج وطني يُعْلي فيه الساسة مصالح أوطانهم على المصالح السياسية والذاتية، وعلى مصالح الخارج.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.