دهم مقر ترامب.. دولة الأمن القومي تثأر لإهانتها

قلم/منذر سليمان..

سِيقت جملة تكهنات رسمية لتبرير قيام جهاز “مكتب التحقيقات الفيدرالي”، أف بي آي، بدهم مقر إقامة الرئيس السابق دونالد ترامب، مارا لاغو، في ولاية فلوريدا، “غير مسبوقة” في ظل التاريخ السياسي لأميركا، محورها اتهامه بالاحتفاظ بوثائق رسمية مصنّفة “سرّية وبالغة السرّية”، وإتلاف سجلات رسمية أخرى، تستدعي محاكمته وتلقّيه عقوبة بشأنها.
تنبغي الإشارة إلى الظروف الخاصة المتعلقة بالرئيس ترامب قبيل مغادرته البيت الأبيض، بصرف النظر عن مزاعمه بتزوير خصومه للانتخابات الرئاسية، إذ إنه واجه حملة متواصلة من مساعي الإقصاء وجلستي محاكمة في الكونغرس، وحتى التلويح بتطبيق المادة 25 من لائحة التعديلات الدستورية، التي تفوّض نائب الرئيس إعلان عدم أهلية الرئيس مواصلة عمله، وتخوّل نائبه القيام بمهام الرئيس رسمياً، بدعم من أعضاء الحكومة الرسمية، أي إزاحة ترامب عن موقعه بمستند دستوري.
من ضمن صلاحيات الرئيس الأميركي، بحسب الدستور، إصداره قرارات برفع تصنيف “السرّية” عن بعض الوثائق الرسمية التي يراها ضرورية، وهنا تكمن إحدى الثغرات القانونية التي يسعى كل فريق إلى استغلال ما تنطوي عليه من نصوص مبهمة لتدعيم وجهة نظره الخاصة.
الفريق المناوئ للرئيس ترامب تدحرج في توجيه اتهاماته، من “سوء استخدام الوثائق الرسمية”، إلى “إتلاف بيانات رسمية”، ثم إزاحته وثائق تتعلق بالأسلحة النووية، وصعوداً إلى تفعيل محاكمته بحسب قانون التجسّس الذي يحظر على المحاكم، ومن ثم العامة، الاطّلاع على طبيعة الدلائل التي تستند إليها التهم الموجهة.
كما من صلاحيات الرئيس، أي رئيس، الاحتفاظ بوثائق رسمية بصفة خاصة لمدة 12 عاماً، باعتبارها “ملكية خاصة للرؤساء المعنيين”، تُودَع بعد ذلك في الأرشيف الوطني. القانون الناظم لتلك المسألة تم إقراره بحسب اختصاصيي القانون الدستوري عام 1955، والذي “شجّع، لكنه لم يشترط قيام الرؤساء السابقين بإيداع تلك السجلات” في الأرشيف الوطني (مقال لديفيد ريفكين ولي كايس في صحيفة “وول ستريت جورنال”، 11 آب/ أغسطس 2022).
بيد أن فضيحة ووترغيت عام 1974 استدعت استصدار قوانين جديدة للحدّ من قيام أي رئيس بإتلاف سجلات رسمية، حيث كانت شرائط التسجيل آنذاك هي المقصودة. وصادق الرئيس الأسبق جيمي كارتر على قرار سجلات الرؤساء عام 1978، والذي يحيل بموجبه مسؤولية حفظ الوثائق الرسمية إلى عهدة هيئة الأرشيف الوطني، لكنه ينطوي أيضاً على عدد من الثغرات والنصوص المبهمة التي يستند إليها كل الرؤساء لتبرير تصرفاتهم وفق تلك النصوص.
في المقابل، لا تزال استطلاعات الرأي المختلفة تفيد بتنامي شعبية الرئيس الأسبق دونالد ترامب بين جمهور الناخبين، مع فوز كبير لمناصريه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي جرت في بعض الولايات، ومنها ولايات حاسمة في الانتخابات الرئاسية. أما الرئيس جو بايدن، فيستمر مؤشّر شعبيته في السقوط، فضلاً عن أدائه في المناسبات العلنية التي دلّت على إصابته بمرض الشيخوخة، بحسب اختصاصيين.
أمام تفاصيل الوحية الانتخابية بصورتها الراهنة، يبدو أن الحزب الديموقراطي مقبل على مرحلة شديدة القسوة في جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. نائبة الرئيس، كمالا هاريس، لا تحظى بدعم حاسم من قيادات الحزب، فضلاً عن تخبّط مواقفها بالنسبة إلى بقية الشعب. أما المرشح الرئاسي السابق ووزير النقل الحالي، بيت بوتيجيج، فهو حديث الحضور، ولا يتمتع بالدعم الكافي من مراكز القرار في واشنطن.
بعض المخضرمين في الحزب الديموقراطي يذهب إلى صوغ نتيجة مؤلمة بالنسبة إلى القيادات التقليدية، مفادها عدم توافر مرشح رئاسي مناسب للحزب في الجولة المقبلة، ولذا ينبغي إتاحة الفرصة للمرشح المقبل دونالد ترامب، إن استطاع البقاء سياسياً، على أن يتم الاستدلال على (على أن يجري البحث عن) شخصية جذابة وقوية لدخول الجولة المقبلة عام 2028.
من بين الدلائل الداعمة لمشاعر استهداف الرئيس ترامب بدوافع سياسية علاقته المتوترة مع وزير العدل الحالي، ميرك غارلاند، الذي رشّحه الرئيس الأسبق باراك أوباما لمقعد في المحكمة العليا، واضطر إلى سحب ترشيحه نتيجة مناهضة قوية من الحزب الجمهوري.
الرئيس ترامب خاض حملته الانتخابية، عام 2016، واعداً جمهور ناخبيه بسحب ترشيح غارلاند من قائمة المرشحين للمحكمة العليا، والذي انتظر الرئيس جو بايدن ليعيّنه وزيراً للعدل.

كما تجنّب وزير العدل، غارلاند، الإجابة عن أسئلة الصحافيين خلال مؤتمره الذي عقده يوم الخميس، الـ 11 من آب/ أغسطس الحالي، معلناً مسؤوليته عن التوقيع على قرار موجّه إلى قاضٍ فيدرالي يطالب فيه بدهم مقر إقامة الرئيس ترامب. غارلاند لم يُرد الإجابة عن سؤال أحد الصحافيين، طالباً تفسيره لعدم شروع وزارته في دهم مقر إقامة الرئيس الأسبق باراك أوباما بشأن حيازته لوثائق رسمية مفقودة، بل الأهم عدم متابعة وزارة العدل لوثائق إلكترونية رسمية تخصّ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، وآخرين أيضاً من طاقم الرئيس أوباما.
في المحصّلة النهائية، أسهمت عملية دهم مقر الرئيس السابق والاستيلاء على وثائق رسمية بحوزته في تبلور سلسلة من الانهيارات المجتمعية والسياسية، على السواء، ينذر بعضها بمواجهة قد تُفضي إلى عصيان مدني أو أكثر حدةً، وِجهتها الأذرع الأمنية للدولة، على خلفية انتهاكاتها للحرية الفردية، وما يشكله ذلك من صدمة قاسية في الوعي الأميركي العام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.