ملامح تأثّيث الصورة الشعريّة في ديوان “شطّ العرب”

سعدي عبد الكريم..
تُعدُّ الثيمة (theme) العماد الارتكازي المؤسس للمنتج الادبي والفني المُدوَّن ، وهي القوام الناشط والفاعل في تشييد الاطار العام لبُنيّة النصّ الشعريّ بفعالية قوامه اللّغوي وانتقالاته الزمكانية ، ومحكم فضاءاته السرديّة التراتبية المُتقنة المراد توصيل فحواها الى دائرة التلقي عبر الاستثمارات النَّسقية التي تدعم بإمتياز ملامح تأثيث الصورة الشعريّة ، وفق منظومة ركوز استثمار المحطات المشاهداتية في ذاكرة الشاعر ، ومن خلال الخزين القرائي المتراكم الذي يخلق لديه وعياً متماثلاً مع حركة النصّ وديمومة خلقه ، وهذان العنصران يستدعيهما في لحظة المذاكرة مع مخيلته الناهضة ، لإنتاج مُلهم شعريّ يتواءم مع موسيقى عالية ، وجرسية مُنغّمة ، وايقاع مُتَّزن ، ولغة رصينة ، واقتضاب قصدي يفضي الى خلق حالة مُثلى من التكثيف، ومنع ظهور حالة التَّرهُّل السردي عليه ، ومن ثم توظيف هذا المُجمل من المعطيات من خلال مكنوناته الفكرية الناشطة ، وفعاليته الاجتماعية المعاشة ، ليكوّنا مصدراً مهماً من مصادر تمرير (المُشفَّر) الذي لا يمكن الإباحة به علناً ، خوفاً من الوقوع بالمباشرة أولاً ، ومحاولة الهروب من التقريرية ثانياً ، والابتعاد عن ملامسة السائد التقليدي ثالثاً.
ويمكن لنا تصنيف (الثيمة) في تجلّياتها الموضوعية على انها الأقرب إلى فحوى (الإطار العام) او السقف الذي تستظلّ بظلّاله مجموعة من الموضوعات ، وتندرج في متنها العديد من الأفكار المختلفة في الشكل ، لكنها لا تختلف في مصبّها النهائي داخل (وحدة الموضوع) الاصيلة.
إن عملية (تماسك الثيمة) داخل النصّ الشعريّ بصفتها مورداً هاماً من الموارد الفنية ، والتقنية ، والجمالية في تأثّيث الصورة الشعريّة الماثلة للكمال ، والتي تبرز في مجَّسات ، وفسحات الملمح الشعريّ ، ولكونها تتمظهر في جلِّ المُجاورات الفنية في صياغة المنتج السردي الذي تدور حلقاته في فلك الفكرة (الثيمة) لأنها العتبة الآمنة ، والقاعدة الأمينة التي تنتمي اليها مراصد الابتكار ، وسطوة الدهشة ، ومكامن الإبداع ، وهي البوصلة التي تحتكم اليها ملازم الفطنة التدوينية ، وتنساق إليها المُخيّلة الساحرة ، والنَّفَس الواقعي الرفيع ، لكي ترتقي إلى ملاحق أكثر اتساعاً من خلال منطقة التَّوءمة بين الفكرة من جهة ، وبين البُنيّة النَّسقية للنصّ الشعريّ من جهة ثانية ، ويأتي ذلك من خلال تنشيط المحرك الداخلي ، وتحريك فاعليات التأثير الخارجي ، ومحاكاة المُعبَّر التراتبي الحقيقي للوظائف الزمكانية ليحاذي الثيمة الأصيلة للنصّ ، وربما تتوزع إلى ثيمات مجاورة متتالية ، وافكار متفرعة عديدة.
ومن المؤكد ، ان جميع الاشتغالات الأدبية ، والثقافية ، والفنية تحكمها موارد وضوابط (الثيمة) لأنها جوهر الكتابة ، ولأنها البوصلة التي توازن جميع الفعاليات التدوينية ، وتنساق إليها موارد ترتيب الاجندة المرسومة في وعي الكاتب او لاوعيه ، لتلقي بها داخل عملية محاكاة الافعال ، التي تثبت في اطارها الابتدائي الثيمة الأصيلة ، لتتوزع داخل النصّ إلى ثيمات لاحقة تالية لخلق حالة من استقرار المبثوث ، وعملية تلقيه بأمثل الصور.
إن الثيمة في رأينا .. هي الفكرة الأساسية ، أو التكوين الرئيس للنصّ ، والاطار العام له ، وتتمحور ضمن ضوابط ومعايير النظرة النقديّة ، على اعتبارها شكل من أشكال الارتقاء بالوعي التدويني لمحاكاة الموجودات من الظواهر المادية المحسوسة ، والملاحق التي تكتنفها محيطات المظاهر الواقعية ، والارتقاء بها صوب المبعوثات المخيالية باعتبارها المعيار الأساس في تنشيط الفاعل المُتبنّي للفكرة في تأسيس النصّ ، وهذا ما يستدعي العين النقديّة للنظر اليها بالكثير من الدراية التفحَّصية ، ومُكنة الإمعان في مؤديات تأثيرها على المنبت الأصيل في تكوين النصّ من جميع جوانبه التدوينية الفنية المؤثرة ، لسحبه أو استدراجه الى حيزات دائرة التلقي النموذجية.
و(الثيمة) هي النظام الأكمل في توجيه جهد الكاتب الى حيثيات النصّ ، باعتباره المُتسيّد على خارطة المتن التواصلي مع المتلقي ، واتخاذ جملة من التدابير الابتكارية المُلهمة ، لإيجاد طريق سالك في اختيار الثيمة الملائمة لنصّه ، وهذا ما أكده (رولاند ب توبياس) حيث صرح قائلاً:-
(إن الثيمة هي نظام توجيه يعمل بالجهد الذاتي لخدمة الكاتب ، فإنها توجِّه قراراته حول أي طريق يتخذه ، وأي الاختيارات ملائمة لنصّه).
وقد جاء تعريف (الثيمة) في مجمع اللغة العربية على إنها نقل حرفي للكلمة اليونانية (θέμα) وتُنطق (ثِيمَ) وتعني في الأصل (مَوضوع) ثم أصبحت تدلّ على (الموضوع الرئيس) في الأعمال الأدبية بتنوع اجناسها العديدة ، وتُترجم إلى العربية بـ(مَوضُوعة) وتُجمع على (مَوضُوعات) وهذه الترجمة مستعملة بجانب اللفظ الأجنبي الـمُنقول حرفيّاً (ثيِمَة).

ووفق هذا المنطوق في تفسير الثيمة ، فقد اختلفُ شخصياً مع من يترجم الثيمة (theme) على إنها الموضوع والفكرة معاً ، ومزج اللفظين في ترجمة واحدة ، لأن مفردة (subject) بالانكليزية تعني (الموضوع) وأميلُ على استخدام مفردة (الثيمة) على اعتبارها المحيط الاشمل ، والإطار الاكمل في اتحاد الموضوعة الرئيسة في النصّ لتتفرع منها الثيمات المحاذية ، واعتقد بأن هذا الفهم هو الاعم لــ(الثيمة) والمستثمر في مخاصب الكتابة الأدبية ، والدرامية ، وأجد من الضروري التمييز بين الثيمة والموضوع ، لأن نسق عمل كلّ مصطلح منهما يشتغل في حيزات مختلفة ، ومناطق متفاوتة في مناشط البثّ الإبداعي المُبتكر ، ولأن الثيمة في محفزاتها المُلهمة تعني (الفكرة الأساسية) أو(التكوين الرئيس) داخل إطار النصّ ومن هنا يجيء التفاوت في اللفظتين.
وعند ربط هذه المنطوقات التنظيرية مع منطقة القراءة الأولى ، وبمزاوجة مع حفريات الكاشف النقديّ للمنتج الأدبي ، يتبين ان عتبة النصّ تشي في جلّ الأحايين ، وابتداء من موسوم النصّ الى (الثيمة) التي يمكن لها الإفصاح عن المدخل الناطق عبر منظومة الفكرة الأصلية ، بمجاورة قصدية وفاعلة مع الثيمات المحاذية الأخرى لها والتي تتفرع منها جملة من الصور التي تدور في فضاء الفكرة الأولى ، ولعلّ من الأمثل لفحوى الإطار العام الذي يمكن تطبيقه على المُدوّن المسرحي ، والروائي ، والقصصي ، باعتبارها اجناس ادبية وفنية تُخلق من رحم الثيمة ، وتُعزّز ارتباطها الوثيق في تصوير الأحداث المتلاحقة مع تراتبية الحبكة او العقدة ، بداية من المشهد الاستهلالي للنصّ ، مروراً بالمشاهد التالية ، والوقوف عند منطقة الذروة التي تتأزم فيها الأحداث ، وانتهاءً بالحلول المأساوية ، او الغابطة التي يركن لها الكاتب باعتباره المُنفذ الأصيل في اشتغالات اللعب الحُرّ داخل نصّه ، ووفق ملازم تغذية الأحداث ، والتي اكد عليها أرسطو في وحداته الثلاث في كتابه فن الشعر:-
1- وحدة الموضوع
2- وحدة المكان
3- وحدة الزمان
وعند الركون الى استثمارات الثيمة في الشعر فإنها اي (الثيمة) تبدأ في التأسيس الابتدائي حتى الفسحات المترابطة والناشطة الأخرى في مخيلة الشاعر للتعبير من خلالها عن مكنوناته الداخلية ، والمؤثرات الخارجية للوصول الى موارد توزيعها وفق منظومة تتَّسم بدراية ماهرة ، وامكانية عالية في تأسيس المشهد الشعريّ ، ليستطيع من خلالهما تأثّيث الصورة الشعريّة عبر الثيمة الأصلية المُنتخبة ، وهذا بطبيعة الحافز الوجداني ، والمؤثر الحسي اللذان يستدعيان الشاعر وبخاصة في قصيدة النثر الى خلق حالة من التوأمة بين البُنيّة الداخلية ، والمؤثر الخارجي ، واستثمار المُخيلة ، والاقتضاب ، والانزياح ، وضبط الإيقاع ، واستثمار الموسيقى الداخلية بجرسيتها المُنتقاة ، لتجتمع هذه العلامات المتداخلة لإنتاج نصّ شعري متكامل ، عبر لغة بارعة في فن التصوير الشعريّ ، وناهضة في تأسيس الفضاء النصّي من خلال رصّ مشاهده المتلاحقة والتي تتمحور في سياقات الاستيطان في محاور البثّ الشعريّ الرفيع المستوى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.