غزة انتصرت ولا عزاء لأشباه المثقفين

بقلم/خالد البوهالي..
في الوقت الذي كان الكيان الصهيوني يشنّ عدوانه الغاشم على قطاع غزة تحت اسم عملية “بزوغ الفجر” بعد ردّ فصائل قوى المقاومة على عملية اغتيال التي استهدفت أحد قيادييها، تعالت أصوات بعض أشباه المثقفين المسلمين والعرب من دعاة التطبيع، الذين حمّلوا الفصائل الفلسطينية مسؤولية العدوان.
هذه المعادلة البائسة التي أصبحت تساوي بين الجلاد والضحية تدفعنا إلى التساؤل عن سر هذا التحول في المفاهيم والمبادئ. وفي هذا الصدد، يقول المفكر المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري (رحمه الله): “سيأتي زمان يخرج فيه قوم يهود وهم في الأصل ليسوا كذلك… إنما مسلمون، سيؤدون دور اليهود ويمثلون إسرائيل خير تمثيل”.
وقد صدقت نبوءة الدكتور المسيري، إذ بتنا نرى دفاعاً غير مسبوق عن “إسرائيل” من لدن بعض المثقفين المحسوبين على الأمة الإسلامية والعربية، إذ تحول الكيان الإسرائيلي من معتدٍ إلى معتدى عليه.
والأنكى من ذلك أنهم ألقوا باللائمة على قوى المقاومة التي “تستفز إسرائيل وتنغّص على الصهاينة حياتهم”، رغم أن الكيان الصهيوني هو الذي بدأ بالاستفزاز عندما قام باغتيال أحد كوادر حركة الجهاد الإسلامي في غزة، ما دفع قوى المقاومة الفلسطينية إلى الرد على العملية بإطلاق صواريخ باتجاه المستوطنات الإسرائيلية.
وعلى ذكر الصواريخ، فقد انبرى هؤلاء “المثقفون” إلى تبخيس فاعلية صواريخ المقاومة ومدى قدرتها التدميرية، ناسين أو متناسين أنّ “إسرائيل” غالباً ما تخفي خسائرها، وتفرض تعتيماً إعلامياً على ذلك بتعليمات من هيئة الأركان العامة، فضلاً عن مظاهر الرعب التي نشاهدها على شاشات التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يخلفها إطلاق مثل هذه الصواريخ في صفوف المستوطنين الصهاينة الَّذين يسارعون إلى الهروب نحو الملاجئ مذعورين، خوفاً من أن تطالهم هذه الصواريخ.
الغريب في الأمر أنه عند الإعلان عن نصر فلسطيني، يسارعون إلى التقليل منه، متجاهلين تصريحات الكيان الصهيوني ووسائل إعلامه التي تعترف أنَّ المقاومة الفلسطينية أرست معادلة جديدة في الردع، وأن الاستراتيجيات التي تعتمدها “إسرائيل” فشلت، ويستعيضون عن ذلك بالتباكي على الشهداء الفلسطينيين الذين يسقطون جراء الغارات الصهيونية على قطاع غزة بفعل “رعونة حركات المقاومة”، بحسب زعمهم.
لذا، نتساءل: هل نجحت “إسرائيل” في اختراق وعي بعض النخب المثقفة في العالمين الإسلامي والعربي؟
لقد بدأت علاقة الكيان الصهيوني بالمثقفين المسلمين والعرب منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1992، إذ سعت “إسرائيل” إلى استقطاب المثقفين المسلمين والعرب عبر دعوتهم لزيارتها أو لزيارة سفارتها، من خلال إقامة حفلات عشاء والجلوس إلى جانب السفراء الصهاينة المعتمدين لدى دول التطبيع، وربما يصل الأمر إلى حد شراء ذممهم.
كما فُتحت لهم أبواب بعض وسائل الإعلام العربية للتعبير عن مواقفهم التطبيعية مع الكيان الصهيوني، والدفاع عن وجهة نظر الأخير من دون خجل، بالقول إنَّ الوقت حان لاتخاذ قرارات شجاعة بالتطبيع مع “إسرائيل” بدلاً من الصراع معها، لأنَّ الصراع معها لن يفضي إلى نتيجة، ولأنَّ الكيان الصهيوني “دولة” موجودة ومعترف بها دولياً وفق القانون الدولي.
لقد غابت عن ذهن هؤلاء الطريقة التي قام بها الكيان الصهيوني في أرض فلسطين المحتلة، وآية ذلك التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الأميركي في إدارة الرئيس الراحل هاري ترومان، جيمس فورستال، عنما قال “إنَّ الضغوطات التي مارستها بلاده على الدول الأخرى داخل أروقة الأمم المتحدة كانت تشارف على الفضيحة”.
زد على ذلك أنَّ “إسرائيل” لم تحترم قرار التقسيم الظالم الذي أصدره مجلس الأمن الدولي الذي يحمل رقم 181، بل أقدمت بواسطة العصابات الصهيونية، مثل شتيرن وليحي والهاغاناه -التي توحّدت لاحقاً وأطلقت فيما بعد ما سمي “جيش الدفاع” (تساحال)- على سرقة المزيد من الأراضي الفلسطينية عبر استعمال الأساليب الأكثر دموية.
ومع ذلك كلّه، لا يجد هؤلاء المثقفون غضاضة في التغاضي عن الجرائم الصهيونية والدّفاع عنها، ولا يجدون إلا إيران ليرموا بها سهامهم، من قبيل أنها تدعم المقاومة الفلسطينية لتمرير “أجنداتها في المنطقة الرامية إلى التمدد ونشر التشيع”، وكأنهم بذلك يقولون إنَّ إيران أشد خطراً علينا من الصهاينة.
كان حَرِياً بهؤلاء المثقّفين أن يقولوا خيراً أو يصمتوا، عملاً بقول الرسول (ص): “من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو يصمت”، وهذا أضعف الإيمان، لا أن يتخندقوا في خندق هذا العدو الصهيوني، سواء عن قصد أو غير قصد، لأن دور المثقف هو الدفاع عن وطنه وأمته في مواجهة كل ما يحاك ضدها.
إن الأمة الإسلامية والعربية تعيش مرحلة مفصلية من تاريخها، بفعل المؤامرات الصهيونية الرامية إلى ضرب حاضرها ومستقبلها بدعم واضح من الغرب، وكانت بدايتها ما سمي بـ”الربيع العربي”، ويعلم الله تعالى ماذا يُخَبّأُ لها في المستقبل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.