العقوبات الاقتصادية.. هل جاء دور الشعوب الأوروبية؟

 

بقلم/ ليلى نقولا ..

يوماً بعد يوم، تتزايد محاولات المفوضية الأوروبية للتدخل في شؤون الدول الأعضاء، وذلك عبر التأثير في الانتخابات الداخلية أو محاولة التهديد بعقوبات اقتصادية.

في تحذير مستغرب يعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، قامت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطاب في جامعة برنستون الأميركية، بتحذير إيطاليا من العواقب إذا انحرفت عن المبادئ الديمقراطية، ما اعتبر تهديداً مبطناً عشية الانتخابات الإيطالية التي كانت استطلاعات الرأي تتوقع فوزاً كبيراً فيها لليمين الإيطالي، وهو ما حصل بالفعل.

محاولة التأثير في الانتخابات الداخلية

اعتبرت فون دير لاين في خطابها المذكور آنفاً أنَّ لدى المفوضية الأوروبية “أدوات يمكنها استخدامها ضد إيطاليا، إذا سارت الأمور في اتجاه صعب، كما حصل سابقاً مع المجر وبولندا.

وهكذا، تحاول فون دير لاين، كعادتها، أن تؤثر في الانتخابات الداخلية في الدول الأعضاء التي تتّجه إلى تصويت يميني “متمرد”، فكما الحال مع المجر في وقت سابق، حين هدَّدت بحرمانها من الأموال الأوروبية في حال اختار الإيطاليون التصويت مجدداً لفيكتور أوربان (من دون جدوى)، لم تستطع فون دير لاين أن تؤثر في اتجاهات التصويت في إيطاليا، إذ يتجه اليمين الإيطالي إلى تولي الحكم في إيطاليا بعد انتخابات مفصلية ومهمة.

وبعكس اليمين السويدي الَّذي فاز في الانتخابات في الآونة الأخيرة، والذي لا يظهر وداً تاريخياً لبوتين وروسيا، إن حلفاء رئيسة الوزراء الإيطالية المحتملة، جورجيا ميلوني، في ائتلاف اليمين الإيطالي الفائز، وهما رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني ونائب رئيس الوزراء السابق ماتيو سالفيني، يعتبران من الداعمين لفلاديمير بوتين. لقد اعتبر برلسكوني أن بوتين أجبر على “غزو” أوكرانيا، فيما شكك سالفيني في العقوبات الغربية على روسيا، مشيراً إلى أنها قد تضر أوروبا أكثر من روسيا.

التهديد بالعقوبات لـ”تغيير سلوك” الحكومات

عملياً، إنَّ ما تشير إليه فون دير لاين هو بالتحديد مبدأ “العقوبات الاقتصادية” ضد الحكومات اليمينية وحرمانها من التمويل الأوروبي، كما حصل مع المجر ورئيسها فيكتور أوربان، الذي تمّ تهديده بحرمان دولته من المساعدات لكي يتخذ مواقف تتلاءم مع المفوضية في قضية النزاع الأوكراني، وبعدما استطاع أن يقوّض العديد من القرارات ضد روسيا التي كانت فون دير لاين تريد تمريرها ضد روسيا، لكن أوربان رفض معتبراً أن الأمر يمثل كارثة على اقتصاد بلاده.

وكانت كلّ من المجر وبولندا قد لجأتا إلى محكمة العدل الأوروبية للفصل في النزاع القائم حول مبدأ تجميد المساعدات الأوروبية، بعدما ادّعت المفوضية أنّ باستطاعتها حجب التمويل اللازم عن البلدين، بعد نشوب خلاف مع الحكومات اليمينية في الدول المعنية.

وانتصرت وجهة نظر المفوضية في شباط/فبراير الماضي (عشية الحرب الأوكرانية)، فقد قضت المحكمة الأوروبية أن بإمكان الاتحاد الأوروبي حجب التمويل عن الدول الأعضاء في حال فشلت في التمسك بسيادة القانون.

وهكذا، وفّر حكم محكمة العدل الأوروبية، الذي يعد مبرماً، غطاء قانونياً وسياسياً للمفوضية الأوروبية لمنع المساعدات عن الدول الأوروبية التي تعتبر المفوضية أنها ابتعدت عن المعايير والقيم الأوروبية، التي يمكنها أن تستغل آلية التصويت في الاتحاد الأوروبي (الإجماع) لتقوّض “الإجماع الأوروبي” في القضايا الحيوية، وخصوصاً قضية العقوبات على روسيا.

وبعد الحرب الأوكرانية، تباينت ردود الأفعال الأوروبية حيال الدولتين (المجر وبولندا) بسبب موقف كلٍّ منهما في القضية، فقد سارت بولندا بالكامل في السياسات الأوروبية حيال أوكرانيا، فيما اعترض فيكتور أوربان على العديد من القرارات حول حظر الغاز الروسي وسواه.

وبناءً على سلوك الحكومتين، أصدرت المفوضية الأوروبية في أيلول/سبتمبر الحالي توصيةً بتعليق حوالي 7.5 مليارات يورو من التمويل للمجر بسبب ما أسمته “تهم الفساد”، وهي أول قضية من نوعها تطبق في الاتحاد الأوروبي نفسه.

بالطبع، وعد أوربان بتغيير بعض القوانين المتعلقة بالشفافية والمحاسبة في الداخل لتحرير الأموال الأوروبية المجمّدة، لكن الواضح من تهديد فون دير لاين للإيطاليين عشية التصويت الانتخابي أنَّ سيف العقوبات الأوروبية سوف يكون أداة تستخدمها المفوضية لمعاقبة القادة الأوروبيين من اليمين الأوروبي و”تغيير سلوكهم”، فيما كانت تستخدم في وقت سابق ضد دول في العالم الثالث، بهدف إخضاع حكوماتها أو “تغيير سلوكها“.

في النتيجة، أنَّ استخدام سيف العقوبات الاقتصادية لإخضاع الدول بات وسيلة غربية تتمدد من الأعداء والخصوم والحلفاء إلى الاتحاد الأوروبي نفسه، لكن تصرف المفوضية الأوروبية لن يكون سهلاً على الشعوب الأوروبية التي تشعر بأنها تسير بسياسات مفروضة عليها من قبل أشخاص غير منتخبين، وأن “بيروقراطية بروكسل” باتت تتحكّم في سياسات الدول الأعضاء الداخلية، وهو أمر ستزداد حدّته بعد الأزمات المحتملة في الشتاء القادم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.