غربة اللوحة الفنية 

 

عادل الميالي

العراق موطن الحضارة الأول، ومهد الكتابة والفن والجمال، وصاحب إرث تاريخي عظيم يمتد عبر آلاف السنين.

وفي العراق نشأت العديد من المظاهر والتقاليد والعادات بشتى مجالات الحياة، ومنها المجال الفني، إذ دأب العراقيون ومنذ أواسط القرن الماضي مع بداية ظهور الفنون التشكيلية على عادة شراء واقتناء اللوحات الفنية، معبّرين بذلك عن وعيهم وعشقهم وشغفهم بكل الجماليات التي تشكل عناصر تغني ذائقتهم البصرية، حيث شكلت هذه الظاهرة جزءاً من عاداتهم واهتماماتهم باقتناء كل ما يمت بصلة إلى الذائقة الجمالية.

إن الفن هو الإبداع والجمال حيث يضفي على المكان نوعاً من الحيوية والحياة والبهجة، واللوحة الفنية ما هي إلا عبارة عن صورة فنية تجسد لنا جمالية الكون عبر محاولة الفنان تجسيد هذا الجمال من خلال قماشة اللوحة لتكون أقرب إلى نفس المتلقي.

من هنا شكلت اللوحة الفنية خطاباً ثقافياً جمالياً واجتماعياً وحضارياً لا غنى عنه، كونها رسالة بصرية مشحونة بدلالات عدة، فهي لا تقل شأنا وأهمية عن بقية الفنون الجمالية الأخرى كالموسيقى والمسرح والرواية والشعر.

غير إن السنوات الأخيرة قد شهدت حالة تراجع وانحسار واضح في عمليات اقتناء وشراء اللوحات الفنية، لأسباب متعددة منها ما هو اقتصادي، فضلا عن تراجع الذائقة الجمالية لدى المتلقي، ما ترتب عليه تراجع كبير في دور اللوحة الفنية بوصفها أداة تعبيرية قوية، إذ تحولت إلى إكسسوار مكمل لأثاث البيت، إضافة إلى إن هناك تراجعا كبيرا لزيارة المعارض الفنية، مما أسهم في غربة اللوحة الفنية وتراجع دورها كونها نافذة للوعي وإنتاج الجمال، ومكون ثقافي يسهم في الارتقاء بالذائقة البصرية.

لذا فمن المهم أن يسهم الجميع في خلق وإشاعة ثقافة اللوحة الفنية، كونها أي اللوحة ليست موجهة للنخب الثقافية حصرا، بل لجميع الأشخاص، وذلك عبر التشجيع على زيارة المعارض الفنية والتي لا يحضرها إلا فئة بسيطة تكاد تكون مقتصرة على الفنانين أو أصدقائهم أو معارفهم.

كما نحتاج إلى بلورة مفهوم المشاهدة الواعية وليس المشاهدة العابرة، عبر التداخل والتوحد مع الفن والجمال وتذوقه كونه سلوكا حضاريا وغذاءً للروح وبحث عن مكامن الجمال والمثل والقيم الرفيعة.. إنها دعوة لإعادة الجمال إلى موطن الجمال والفن والحضارة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.