الأردن وإسرائيل .. “زواج باطل”

 

بقلم/ بسام البدارين

حتى الدول الكبرى والصناعية والثرية تستطيع في لحظة تاريخية وسياسية ما، الإعلان أنها أخطأت في التقدير الاستراتيجي، لأن ذلك في حالة الدول الناجحة يتبعه بالعادة المباشرة فوراً بخطة لإصلاح ذلك الخطأ الذي تم الإقرار به. رئيسة وزراء بريطانيا تقر علنا بأنها معنية بحالة جديدة عنوانها تقليل الاعتماد الاستراتيجي على الصين، ويحصل ذلك برغم أن العلاقات بين بريطانيا والصين البعيدة لا تشوبها الكثير من «الصدامات» لكن الخطأ ظهر مع تداعيات أزمة أوكرانيا ودروسها على الكون. يحصل ذلك فيما الصين بعيدة جغرافيا عن بريطانيا ولا توجد مخاطر استراتيجية كبيرة الآن وفي هذه المرحلة. لكن في الحسابات الأساسية والمفصلية تقرر لندن بأن نواياها واضحة الآن بعنوان تقليل الاعتماد الاستراتيجي على الصين، بعد الدرس الذي تعلمته أوروبا إثر صفعة فلاديمير بوتين في أوكرانيا.
وعلى نفس المنوال يقر الألمان بخطأ استراتيجي ومعهم بقية زعماء أوروبا عندما يتعلق الأمر بالاعتماد التام على الغاز والنفط الروسيين.
أوروبا مضروبة على رأسها اليوم وهي تحاول إعادة الاعتبار لميزان الاستراتيجيات في العلاقات مع الدول التي تختلف معها في الأيديولوجيا وفي الطموحات الجيوسياسية والاقتصادية، فما بالك عندما يرتبط الأمر تماما بدولة مصنفة أصلا في وجدان جمهور دولة أخرى باعتبارها «عدواً» لا بل العدو الوحيد والمركزي والأساسي في إقليم الشرق الأوسط.

نستعرض هذه الحيثيات الأوروبية ونحن نشعر كأردنيين بالحسرة لأن بلادنا ودولتنا في عمق المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي. سلمنا بأنفسنا وبغفلة من مراكز صنع القرار قطاع الطاقة الاستراتيجي لاتفاقية الغاز مع العدو الإسرائيلي، وقبل ذلك انتهت مفاوضاتنا على حصص المياه بسيطرة إسرائيلية واضحة الملامح، يمكن أن يتلاعب بها مستقبلا أي مغامر إسرائيلي في ملف الأمن المائي، وحديثا جدا حضر العجوز الماكر جون كيري بضغط ضخم تحت عنوان اتفاقية التبادل خدمات المياه والكهرباء التي لا يعرف عنها الشعب الأردني شيئاً ولا عن كيفية تطبيقها لاحقا. يسترسل العدو هنا في «نفخ البوق» على أبواب مقدساتنا فيما نجلس عند حدود إطلاق «صافرات تستنكر وتشجب فقط».

يذهب الأردني اليوم طوعا نحو حتفه الإسرائيلي في الخدمات والملفات الأساسية الاستراتيجية، لا بل يطالعنا مغامرون أو مسترسلون في المغامرة حتى لا نقول في شيء آخر بأفكار ومقترحات لها علاقة بتوحيد مخزون الغذاء والأمن الغذائي مع الجار الإسرائيلي الذي يقدم دليلا تلو الآخر اليوم، على عبثه في أعمق المصالح والمحرمات والخطوط الحمراء الأردنية. ومن يريد دليلا عليه أن يتابع الإغلاقات الإسرائيلية ودعوات شرطة الاحتلال للمستوطنين لحمل السلاح، وهم ينفخون في الأبواق ويرتمون على الأرض على بوابة المسجد الأقصى، فيما تقف الوصاية الأردنية عاجزة أو في حالة شلل عن المواجهة والاحتواء والرد.

عبثا حاولنا ومنذ سنين طوال تحذير حكومة الأردن من أن الملفات الاستراتيجية ينبغي أن لا يتفق على أية خطة بخصوصها توضع بأحضان عدو ماكر وخبيث.
واليوم يتحفنا المفاوضون سابقا وأنصار السلام بأن الجانب الإسرائيلي لم ولن يمرر منذ ربع قرن أي مشروع استراتيجي أو اقتصادي من تلك الحزمة التي اتفق عليها، فالتجاهل هو عنوان أداء الإسرائيلي والإيمان بالسلام حقا بقي المحرك للماكينة الأردنية دون فائدة أو طائل. القوى اليمينية المتطرفة هي اليوم القوة التي تحكم تحت شعار يقول بالوطن البديل وبأن وطن الفلسطينيين شرقي ضفة نهر الأردن وليس غربي النهر. غضب أو يغضب مفاوضون أردنيون عندما نوجههم بهذه الحقائق ويغضب سياسيون ويتمتمون بكلمات غريبة عن العبث والسوداوية ونحن نحاول طرح أسئلة في السياق عليهم. ما تشعر به اليوم أوروبا من حاجة ملحة للإقرار بالحاجة الى تقليل الاعتماد الاستراتيجي على الصين وروسيا بعد الآن هو درس جديد في العمل السياسي والدبلوماسي للنخبة الأردنية.
نظرية «نحن وإسرائيل في مركب واحد» تمرغت اليوم بالوحل لأن معاول نتنياهو زرعت شجرة في المشهد الأخير وهو يحاول «ضم الأغوار» ولأن من يفترشون الأرض على بوابات الأقصى تلموديا، قناعتهم راسخة بأن المحطة المقبلة إخضاع عمان بعدما خضعت بعض عواصم الخليج الهادر. أملنا كبير حقا بأن تطور حكومة بلادنا آلية الإقرار بالأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبت في الماضي، لأن تلك الآلية هي بمثابة قطع نصف الطريق على أبعد تقدير باتجاه وضع حلول ومعالجات والتخفيف من الارتماء في أحضان العدو. ومادامت روسيا قد انقلبت على أوروبا والغرب والعالم وحاولت إنتاج وقائع على الأرض اليوم، فيما تهدد الصين تايوان، لا توجد أية ضمانة بأن لا يهدد عدو إرهابي مجرم مصالح الدولة الأردنية الاستراتيجية بعد الآن. نتذكر السينما المصرية لنقول: زواج «عتريس» المطبع من «فؤادة» الواهمة بالسلام «باطل» والدشاديش التي ترقص اليوم في عرس حاخام ستندم قريبا وإذا سقطت نابلس والقدس لن تصمد ولا عاصمة عربية أو إسلامية واحدة.. الاستدراك ليس ممكنا فقط اليوم، الاستدراك واجب وطني مقدس.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.