فدائيون مجهولون يحيون روح المقاومة في نابلس

إطلالة على "عرين الأسود"

 

 

المراقب العراقي/ متابعة..

بينما يمضي غالبية أقرانهم الليالي بالسَّهر والسَّمر، اختار ثلة من شبان البلدة القديمة بنابلس لأنفسهم طريقًا مغايرًا تمامًا، امتشقوا فيه السلاح، وشقّوا طريقاً يهابه كثيرون، فحدود المقاومين بالضفة الغربية معروفة، شهادة أو اعتقال، وفي كلاهما نصر.

فرغم صغر سنّهم وإلى جانب معضلات الواقع المحاصر بين كمّاشةالاحتلال، أصرّ شباب نابلس على مواصلة الدرب، وتعاهدوا على تصويب أسلحتهم ضد الاحتلال فقط، لتنصهر بينهم انقسامات الواقع السياسي، وتتلاشى في عرينهم ألوان الأحزاب، مشكلين حالة ثورية قلّ مثيلها في الواقع الفلسطيني.

وأطلقت مجموعة من المقاومين في البلدة القديمة بنابلس على نفسها اسم عرين الأسود، قبل أن يقدّم غالبية أسودها أرواحهم مقبلين غير مدبرين، وفي عمليات اغتيال هزّت الشارع النابلسي والفلسطيني بشكل عام، في حين لا تزال قوات الاحتلال تُطاردعددا آخر منهم في محاولة لاعتقالهم أو اغتيالهم.

حجارة البلدة القديمة احتضنت الأسودأو كما يسميهم البعض شباب البلد، في غرفة كانت الحضن الدافئ والآمن لهم، احتضنت ضحكاتهم، ودمعاتهم على فراق أحدهم، وشهدت أرضها على سجداتهم في جوف الليل، وتعاهدهم على مواصلة الطريق.

عرين الأسود يستخدمون أساليب خاصة في عملياتهم ضد القوات الإسرائيلية من بينها توثيق عملياتهم بالفيديو، حيث وثقت الكتيبة الفلسطينية إطلاق النار على مستوطنة هار براخا الأسبوع الماضي، فيما قدرت الاستخبارات الإسرائيلية أنهم سيحاولون إطلاق النار مرة أخرى على المستوطنة، لذلك نصبت القوات الإسرائيلية كمينًا لهم سرًا. 

الظهور الأول لـعرين الأسود كان في مناسبات وطنية، مثل حفلات استقبال الأسرى المحرّرين من السجون الإسرائيلية ومواكب جنازات الشهداء، وحتى حفلات زفاف خاصة بأسرى محرّرين، وتدريجيًا بدأوا القيام بمواجهات مع القوات الإسرائيلية ازدادت مع الوقت، وبدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي يستهدف عناصرهم بشكل خاص.

يمكن فهم أيديولوجيتهم من خلال اسمهم، وكذلك تحركاتهم على الأرض، فاختيار اسم عرين الأسود يعبر عن الخط العريض للكتيبة، وهو العلانية، مثل عرين الأسود المعروف مكانه لكل الغابة، فإنهم لا يتخفون، ولا يديرون عمليات سرية، وكما في أكثر من تسجيل تم بثه، فهم يتواجدون في أطراف مخيم نابلس، برغم التحذيرات التي يتلقونها بشأن ضرورة اختبائهم في قلب المدينة القديمة.

فيما يرفعون شعار اللي بدخل القبر بنقبر، والمقصود أن دخول القوات الإسرائيلية منطقة قبر يوسف، قرب مخيم بلاطة سيتم الرد عليه، بالنار.

في الثامن من شباط نفذت قوة خاصة إسرائيلية عملية اغتيال للمقاومين: الشهيد أدهم مبروك (الشيشاني)، والشهيد محمد الدخيل، والشهيد أشرف المبسلط، تلاها عدة محاولات اقتحام واغتيال لرفقائهم، وعلى رأسهم الشهيدان إبراهيم النابلسي ومحمد العزيزي.

واستشهد محمد العزيزي ورفيق سلاحه عبد الرحمن صبح خلال عملية واسعة استهدفت العرين في 24 تموز الماضي، فيما تمكن خمسة مقاومين آخرين من الانسحاب بسلام.

وفي 9 آب اغتال الجيش الإسرائيلي المطارد والمطلوب الأول له في نابلس إبراهيم النابلسي (19 عامًا)، بعملية واسعة وبعد اشتباك عنيف، ليرتقي مع رفيقه إسلام صبوح. وبدا جليّا، في جنازات الشهداء الالتفاف الشعبي الواسع، وخاصة من جيل الشباب وتعلقهم بحكاياتهم وبطولاتهم.

وفي فجر يوم الأحد الماضي، والمكان هو منطقة التعاون بجبل جرزيم أحد أهم جبلين (جرزيم وعيبال) في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، أما الهدف فكان جنود الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، هكذا خطط الشهيد سائد الكوني ورفاقه في عرين الأسود قبل أن يرتقي شهيدا برصاص جيش الاحتلال.

واشتبك الكوني (22 عاما) ورفاقه مع جنود الاحتلال لفترة من الزمن ما أسفر عن استشهاده واحتجاز الاحتلال لجثمانه وإصابة 3 من رفاقه وانسحابهم من المكان بخطة محكمة اعتادوا فعل مثلها في معارك سابقة واشتباكات عديدة مع جنود الاحتلال.

وفي بيان مقتضب لها بدأته بآية قرآنية وختمته بالدعاء للشهيد نعت عرين الأسود  الشهيد الكوني ووصفته بـالمقاوم البطل وأكدت الحدث واستشهاده بعد اشتباك مع جنود الاحتلال.

على مثل هذا الحدث أفاقت مدينة نابلس ومعها مدن الضفة الغربية مرات عديدة في الآونة الأخيرة، وتبنت مجموعات العرين وعبر بياناتها عمليات إطلاق نار واشتباكات عديدة استهدفت بها جيش الاحتلال والمستوطنين، وكان آخرها فجر يوم الجمعة الماضي بعدما استهدف المقاومون مستوطنة براخا جنوب نابلس برشقات من الرصاص اخترقت نوافذ منازلهم.

وبمثل هذه العمليات ذاع فعل عرين الأسود قبل اسمها كمجموعة مسلحة تجنَّد فيها عشرات المقاومين الذين اتخذوا من البلدة القديمة بنابلس مقراً لهم، وأخذوا على عاتقهم مقاومة الاحتلال أينما وكيفما وجد وبكل أشكاله من جنود ومستوطنين وغيرهم.

وعادت خلايا المقاومة بنابلس لتظهر مع بداية العام الجاري أكثر، وانسحب ما يجري بمدينة جنين ومخيمها أو عش الدبابير كما يصفه الاحتلال الإسرائيلي على نابلس أكثر من غيرها من مدن الضفة، وجاء استشهاد المقاومين الثلاثة (محمد الدخيل وأشرف مبسلط وأدهم مبروكة) في الثامن من شباط الماضي ليوقد شرارة هذه المقاومة ويعززها أكثر.

وعرفت تلك المجموعة آنذاك بكتيبة نابلس أسوة بكتيبة جنين، ليقودها ويخوض مرحلة الاشتباك والمواجهة مجددا الشهيد إبراهيم النابلسي وهو رفيقهم الرابع الذي اغتاله الاحتلال في التاسع من آب الماضي ورفيقه إسلام صبوح والطفل حسين طه في البلدة القديمة من نابلس.

واستمرارا في النهج وكي لا تسقط الراية جاء حفل تأبين الشهيدين محمد العزيزي (أبو صالح) وعبد الرحمن صُبح في الثاني من أيلول الجاري بعد 40 يوما من استشهادهما، ليكشف المستور، ويعلن العرين”  كظاهرة مقاومة مستمرة ومستمدة من وحدتها على الأرض ومن جذور الماضي حكاية ثورتها وإن ظهروا قبل ذلك بشكل فردي.

وفي ذاك التاريخ وعند شارع حطين وسط مدينة نابلس ظهر مقاومو العرين بكامل عدتهم وعتادهم في صورة منظمة أبهرت جموع الفلسطينيين ممن حضروا المهرجان ومن تابعوا المشهد إعلاميا، وأغاظت بالمقابل الاحتلال الإسرائيلي الذي راح يُحرِّض عليه وأعلن ملاحقته من ناحية أخرى.

وهناك أيضا أعلن ميثاق العرين وبرنامجه المقاوم على لسان أحد الملثمين الذي تلا بيان الانطلاق، ليكشف أن دماء الشهيدين محمد العزيزي (23 عاما) مؤسس العرين والمشتبك المخفي ورفيقه عبد الرحمن صُبُح أسد الاشتباكات التي سالت بين أزقة البلدة القديمة كانت الجذوة والصحوة التي أحيت روح المقاومة المتجذرة فيها أصلا.

وأكد البيان أن غطرسة الاحتلال بقتل وسفك دماء الفلسطينيين تفرض عليهم كمقاومين معارك متجددة قد لا يتوقع الاحتلال شكلها ولا يقرأ طبيعتها مسبقا، وخاصة أن هذه المقاومة المنظمة والمدارة ذاتيا قادرة كل يوم على تجديد الدماء بعروق المقاومين بأشكال وأساليب كثيرة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.