هل بدأت الحرب الروسية الأمريكية الآن؟

 

 

بقلم / أكرم بزي ..

في مقال للمعارض الروسي ألكسي نافالني في 30 من أيلول/سبتمبر الماضي، قال: المشكلة في التكتيكات الغربية الحالية لا تكمن في غموض الهدف، ولكن في حقيقة أنهم تجاهلوا السؤال التالي: كيف تبدو روسيا بعد تحقيق الأهداف التكتيكية؟ ولو تحقّق النجاح، ما يضمن أن العالم لن يجد نفسه في مواجهة نظام أكثر عدوانية، وفي مواجهة للأفكار الإمبريالية التي لا علاقة لها بالواقع؟ مع اقتصاد خاضع للعقوبات، لكنه لا يزال كبيراً وفي حال تعبئة عسكرية دائمة؟ فضلاً عن وجود أسلحة نووية تضمن الإفلات من العقاب وكل أنواع الاستفزازات والمغامرات الدولية؟

الواقع أن أحد الأهداف الغامضة التي لم يسمّها نافالني هي أن الولايات المتحدة الأميركية أرادت تدمير الاقتصاد الأوروبي، وهذا ما بدا جلياً من خلال سياسة العقوبات ضد روسيا التي أضرّت بالدول الأوروبية أكثر مما أضرت بروسيا، باعتراف وإجماع المحللين الأوروبيين أنفسهم!

هكذا تريد أميركا أن تنصاع أوروبا كلها لرغباتها، بعد أن دفعت أوكرانيا إلى الحدود القصوى في تحدي روسيا. الغرب وإعلامه الأخطبوطي أوحيا للعالم بأن روسيا اجتاحت أوكرانيا وأنه لا بد من تقديم العون والمساعدة لكييف بعدما تعرضت للغزو الروسي، بالسلاح والمال والغذاء..

بعد ارتفاع وتيرة المطالبات الأوروبية برفع العقوبات عن روسيا ومطالبات أخرى بتشغيل خط “نورد ستريم” لا يمكن إبعاد الشبهة عن الولايات المتحدة وحلفائها في تفجير هذا الخط، خصوصاً أن الرئيس بايدن صرح، قبل فترة وجيزة، أنه سيوقف هذا الخط، ولكن كيف؟ لم يعلم أحد إلا بعدما فجر، ولكن لماذا هذا التفجير إذا كانت تريد مساعدة أوروبا.

الولايات المتحدة أوقفت مشروع “إيست ميد” الإسرائيلي لنقل الغاز إلى ـأوروبا، وهي نفسها التي تعرقل الاتفاق النووي مع إيران الذي سيؤدي إلى رفع العقوبات، ويمهد لنقل النفط والغاز الإيرانيين إلى أوروبا أيضاً، وهي التي تمنع دول الخليج من تزويد أوروبا بالغاز الذي يعد أهم مادة لها.

في تقرير نشرته إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة تناول تأثير الحرب غير المباشرة في أوكرانيا على مناطق مختلفة من العالم، أن الهجوم الروسي الذي بدأ في 24 من شباط/ فبراير، إضافة إلى الخسارة المأساوية في الأرواح والأزمة الإنسانية التي تتكشف تسببت أيضاً بخسائر فادحة في اقتصاد البلدين. وكذلك تسبّب الارتفاع في أسعار الطاقة بصدمة للاتحاد الأوروبي، الذي استورد ما يقارب 57.5 في المئة من إجمالي استهلاكه من الطاقة عام 2020.

ومن المرجح أن يشهد الاتحاد نمواً اقتصادياً بنسبة 2.7 في المئة فقط، بدلاً من 3.9 في المئة المتوقعة في كانون الثاني/ يناير. وجرى استيراد ما يقارب ربع استهلاك الطاقة في أوروبا من النفط والغاز الطبيعي من روسيا عام 2020،

ومن المرجّح أن يؤدي أي توقف مفاجئ في التدفقات إلى زيادة أسعار الطاقة والضغوط التضخمية.

ويشير التقرير إلى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية ومنطقة البلطيق قد تأثرت بشدة لأنها تعاني فعلاً معدلات تضخم أعلى بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي.

ووفق تقديرات متباينة حتى نهاية إبريل/نيسان العام الماضي، فإنّ النمو الاقتصادي الأوروبي سيتعرض لخسارة تتراوح بين 0.5% و1% من ناتجه المحلي في العام الجاري، أي ما بين 895 مليار دولار و1.79 تريلون دولار، وذلك وفقاً لتقديرات مصلحة الإحصاء الأوروبي “يورو ستات” لحجم الناتج المحلي الإجمالي للكتلة الأوروبية بنحو 17.9 تريليون دولار عام 2021، ويضاف إلى ذلك تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا المقدرة بنحو 600 مليار دولار.

وهذه التقديرات للخسارة تبدو متفائلة، وفق محللين، إذ لم تأخذ بالحسبان تكاليف إيواء اللاجئين الأوكرانيين في الدول الأوروبية، وتكلفتها ستكون على الأوروبيين تحديداً، وبالتالي توقف النزف المالي والاقتصادي الأوروبي.

وفي تقرير للبنك المركزي الأوروبي صدر أخيراً، فإنّ الحرب الأوكرانية ستخفض النمو الاقتصادي بنسبة 0.7% إلى 3.7% في العام الجاري.

وأشار بنك الاستثمار العالمي “غولدمان ساكس” إلى أنّ الحرب ستخفض معدل النمو الاقتصادي في منطقة دول اليورو الـ19 بنسبة 1.4%. إذن المتضرر الأكبر من هذه الحرب على المستوى الاقتصادي كانت أوروبا.

والآن، وبعد انضمام المناطق الأربع التي دخلتها القوات الروسية في شرقي أوكرانيا، يبرز إطار آخر يعزز الأهمية الاستراتيجية للمناطق الأوكرانية الأربع، إذ لا يمكن الحديث عن ضمان أمن الحدود الغربية لروسيا من دون توسع جغرافي يضمن على نحو كامل السيطرة على الممرات البحرية الجنوبية في حوض آزوف والبحر الأسود، وبما يؤمن أيضاً مد خط بري ثابت للأراضي الروسية مع شبه جزيرة القرم. لذا كان من الأهمية بمكان التركيز والسيطرة على منطقتي دونيتسك ولوغانسك، وعلى مدينة خيرسون التي تربط شبه الجزيرة بسائر مناطق البلاد، وهذه المناطق غنية بمناجم الفحم الحجري والحديد والصلب، كما أن مدينة ماريوبول الاستراتيجية تعد من أهم موانئ التصدير في أوكرانيا التي تقع ضمن الحدود الإدارية لدونيتسك وعلى العموم تشير إحصاءات ما قبل الحرب إلى أن نحو 70 في المئة من الثروات تتركز في هذا الجزء من البلاد.

وبهذا، يكون فلاديمير بوتين وبعد ضم الجمهوريات الأربع الاستراتيجية (لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا) التي يشكل مجموعها 20% من مساحة أوكرانيا و70% من حجم الاقتصاد الأوكراني، قد حقق ما وصفه عند بدء الحرب بـ”العملية العسكرية الخاصة”. والسؤال المهم الذي يلي هذه الخطوة، هل بدأت الحرب الفعلية الآن بين “الناتو” بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من جهة وروسيا من جهة أخرى.

الواقع أن الولايات المتحدة الأميركية ومنذ بدء “الحملة العسكرية الروسية” دفعت أوروبا وأوكرانيا إلى الانغماس بطريقة مباشرة وغير مباشرة في الحرب الدائرة في أوكرانيا، تارة عبر تقديم المساعدات والأموال والمواد اللوجستية، وتارة أخرى بإرسال الخبراء العسكريين المتخصصين، وبتوجيه الأقمار الصناعية لكشف المواقع الروسية وتزويد الجيش الأوكراني بإحداثيات عسكرية خطرة استطاعت من خلالها توجيه ضربات عدة إلى الجيش الروسي المهاجم.

بعد قرار ضم الجمهوريات الأربع رسمياً، تعد القوات الأوكرانية في المناطق الأربع، وبحسب الدستور الروسي، قوات احتلال أجنبية لأراضٍ تخضع لسيطرة الاتحاد الروسي. وقد تعلن روسيا الحرب الشاملة على أي دولة تعتدي على أراضيها وقد تستخدم روسيا، بحسب الدستور، جميع الأسلحة المتاحة لها بما فيها النووية. ويرجّح أن تمهل روسيا الرئيس الأوكراني وقواته بعض الوقت للانسحاب، وفي حال تمنع زيلينسكي، وهو سيمتنع، لأنه ليس هو من يدير الحرب، فسيعلن بوتين الحرب الكبرى على أوكرانيا.

والسؤال الذي يبرز الآن، هل تبادر الولايات المتحدة مع حلف الناتو، إلى الرد على خطوة بوتين ضم الجمهوريات الأربع والدخول في الحرب مباشرة أم تنتظر كي تهيّئ المسرح الأوروبي أكثر فأكثر ويصبح أكثر خضوعاً لها، وهل تقف الصين على الحياد؟ 

طوني بلير رئيس مجلس الوزراء الأسبق لبريطانيا، وفي محاضرةٍ ألقاها في ندوةٍ نظمتها مؤسسة “ديتشليس” البريطانية الأميركية، يقول إن “أكبر التغيّرات الجيوسياسية في هذا القرن ستثيرها الصين لا روسيا، وإن العالم سيصبح، على الأقل، ثنائي القطب، أو ربما متعدّد القطب، ونحن نقترب من نهاية الهيمنة الغربية على السياسة والاقتصاد، وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، يمكن أن يكون الشرق على قدم المساواة مع الغرب، والصين هي القوة العظمى الثانية في العالم، وإمكاناتها الاقتصادية ودرجة مشاركتها في الاقتصاد العالمي أكبر منها لدى روسيا، وهي أي الصين “لحقت بالولايات المتحدة في كثير من المجالات التكنولوجية، وتهدّد بالتغلّب عليها“.

يبدو أننا نتجه إلى أحلاف عالمية جديدة، الصين وروسيا وإيران وبعض دول “منظمة شنغهاي” من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا من جهة ثانية. وقانا الله حرباً عالمية ثالثة قد تكون بدأت في أوكرانيا، ولا أحد يعلم أين تنتهي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.