كما العالم.. لبنان يضيق بساكنيه

 

بقلم/ ريما فرح ..

يعيش العالم “تخمة” بشرية وصلت إلى حدود 8 مليار نسمة، ما سينتج عنها مشكلات يرى بعض المهتمين أنها ستكون أرضية محتملة، لنشوب حرب عالمية ثالثة

مزحة الحرب هذه، قد تكون مفزعة، لكن الواقع اليوم يشهد نتائج أكثر فظاعة لناحية ارتفاع معدلات الفقر والمجاعة وشح الموارد الزراعية والمياه، وهي لا تنتهي بأمور على صلة بمشكلات البيئة والانبعاثات والاحتباس الحراري، خصوصاً في البلدان الأفريقية والآسيوية.

وللبنان دائماً حصته في كل الأزمات، لكنها تكون تارة من “صناعته”، وتارة أخرى من السياسات التي تضعه أمام واقع السوء، وأمام هذا الرقم المهول من الازدياد السكاني العالمي، لا يشكو لبنان عملياً زيادة سكانية (في عدد اللبنانيين) فمستوى الخصوبة لا يتيح تزايد الأجيال، إلا أن حالة السوء التي يمر بها تدور حول مسألتين:

الأولى، وهي تصبح عابرة، تتعلق بوجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

فالفلسطينيون يسكنون في مخيمات محدّدة لهم، وكثرة الانتشار الفلسطيني في العالم فتحت الأبواب للشباب الفلسطينيين للهجرة من لبنان. ثم إن الفلسطينيين لا يتمتعون بحوافز تجعل منهم عمالاً أو صناعيين منافسين لليد العاملة اللبنانية، وهم غير مسموح لهم بالوظيفة، فيما التوالد في مجتمعهم يبدو عادياً.

الثانية، وتتمثل في وجود النازحين السوريين. فالعمالة السورية وجدت قبل عام 2011 كما العمالة الآسيوية والعراقية في بعض الفترات. إلا أن توافد الملايين من النازحين، أفراداً وأسر سبّب أزمة كثافة سكانية في لبنان، خصوصاً حين بدأوا بالانتشار بقاعاً وشمالاً، ثم في بيروت، والجنوب ولو بنسبة أقل

4  ملايين نازح سوري في لبنان هو الرقم الأدق، لكن عددهم المسجّل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين زهاء 831 ألف شخص، مع بدء الأزمة، قبل أن تتوقف المفوضية عن التسجيل عام 2015 بطلب من الحكومة اللبنانية ولأسباب غير مبررة.

يحتدم موضوع النزوح السوري في لبنان، كما في الدول التي نزحوا إليها، إلا أن لبنان خاصرة رخوة لكل الاحتمالات السياسية والمعيشية والأمنية، ومن هنا بدأت تظهر خطط لتنظيم عودتهم إلى بلدهم، فوضعت في 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي خطة “الإعادة الطوعية للنازحين السوريين” إلى بلادهم. لكن المشكلة التي تواجه لبنان اليوم هي أن العائدين بمعظمهم غير مسجلين لدى المفوضية، أي إن تلك الأسر لا تستفيد من تلك المفوضية مالياً

هذا الحل لا يبدو متكاملاً، غير أن تطوراً لافتاً حصل في الأيام الماضية، عبر قرار قضى بحجب المساعدات المالية عن بعض الأسر. وجاء في نص الرسائل الموجهة من المفوضية إلى النازحين: “نظراً إلى محدودية الموارد، لن تتلقوا المساعدة الشهرية المحددة بمليون ليرة لبنانية من المفوضية، ابتداء من كانون الثاني/يناير 2023″، داعيةً من يطلب إعادة النظر في تقييم مساعدته إلى “تقديم طلب لديها عبر رابط محدد أو الاتصال بأرقام المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي“. 

الأرقام التي شملها القرار الأممي جاءت كالتالي:

قطع المساعدات عن 64 ألف أسرة.

– 21 ألف أسرة لا تزال تتلقى المساعدات المالية.

فعّلت مساعدة 22 ألف أسرة في جميع المجالات.

وتأخذ المفوضية بالاعتبار أكثر الأسر حاجة، ووجود معيلين وأفراد في الأسرة ما فوق 18 عاماً.

القرار طرح تساؤلات عدة حول الربط بين وقف المساعدات الأممية وقرار لبنان تنظيم العودة، إلا أن المفوضية تنفي ربط قراراتها بالحلول السياسية، وهي تقول إن الموضوع تمويلي بحت، ففي تقارير لها تقول: “إن مفوضية شؤون اللاجئين احتاجت عام 2022، إلى أكثر من 534 مليون دولار، مُوّل منها 32% حتى حزيران/يونيو الماضي“.

الكثافة السكانية تعكس في لبنان مستوى المعيشة فيه، فمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة اليونيسف، في تقرير عام 2021 شرحت أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والصحية التي يشهدها لبنان، أثّرت، على وجه الخصوص، في أكثر الأسر اللاجئة فقراً، فـ 9 من بين كل 10 لاجئين سوريين لا يزالون يعيشون اليوم في فقر مدقع.

وما دام الشيء بالشيء يذكر، فقد أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قبل يومين “أن المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي قرّر في اجتماعه الأخير في روما تخصيص 5 مليارات و400 مليون دولار أميركي للبنان للسنوات الثلاث المقبلة، مع وعد بأن تكون المنتوجات المشتراة لغاية المساعدات الغذائية كلها من لبنان“.

وللتوضيح، فإن البرنامج يصرف مساعدات، بنسبة 70% للسوريين و30% للبنانيين، ما مجمله 700 مليون دولار في السنة تقريباً، ولكن بعد اجتماع المجلس التنفيذي للبرنامج في روما أخيراً جرى الاتفاق على تخصيص 5 مليارات و400 مليون دولار للبنان في السنوات الثلاث المقبلة 2023، و2024، و2025، على أن يكون ذلك بالتساوي بين اللبنانيين والسوريين بنسبة 50% لكل منهما، وسيجري التركيز على زراعة القمح لزيادة الإنتاج المحلي من هذه المادة الأساسية، وسيجري التنسيق في العمل الفني مع وزارة الزراعة ومع منظمة الأغذية والزراعة الدولية في لبنان “الفاو”.. نعم لبنان يضيق بساكنيه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.